استقالات النقباء تنطلق من هيئة وجدة.. هل دخل قانون المحاماة مرحلة المواجهة المفتوحة؟

لم تعد الأزمة المرتبطة بمشروع قانون مهنة المحاماة مجرد خلاف مهني حول بعض المواد القانونية أو التفاصيل التنظيمية، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى حالة احتقان غير مسبوقة داخل الجسم المهني، مع ما تحمله من مؤشرات على اتساع فجوة الثقة بين المحامين والمؤسسات المكلفة بإعداد وإخراج النصوص التشريعية.
وفي هذا السياق، جاءت الاستقالات التي انطلقت من هيئة المحامين بوجدة لتفتح فصلاً جديداً من الجدل، بعدما اختار عدد من النقباء التعبير عن رفضهم لمسار تدبير الملف عبر خطوة رمزية وسياسية قوية، تعكس حجم التوتر الذي بات يطبع النقاش حول مستقبل المهنة.
اللافت في هذه التطورات أن الاعتراضات لم تعد تقتصر على مضمون بعض المقتضيات القانونية المقترحة، بل امتدت إلى طريقة تدبير الحوار نفسه. فجزء مهم من الأصوات الرافضة يعتبر أن مشروع القانون يمس بجوانب أساسية من استقلالية المهنة ويعيد رسم حدودها دون توافق واسع مع مختلف مكوناتها، بينما ترى جهات أخرى أن تحديث الإطار القانوني للمحاماة أصبح ضرورة تفرضها التحولات التي يشهدها قطاع العدالة.
غير أن ما يمنح الأزمة طابعها الاستثنائي هو أن الخلاف لم يعد تقنياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بالسؤال الأعمق المتعلق بمن يملك حق تحديد مستقبل المهنة: هل هي المؤسسات المنتخبة داخل الهيئات المهنية؟ أم السلطة التشريعية والتنفيذية التي تسعى إلى تنزيل إصلاحات أوسع في منظومة العدالة؟
وتكشف الاستقالات الأخيرة عن وجود تيار متنامٍ داخل المهنة يرى أن المرحلة الحالية تتطلب مواقف أكثر تشدداً من مجرد البيانات والوقفات الاحتجاجية، خاصة في ظل شعور متزايد بأن مطالب المحامين لا تجد آذاناً صاغية بالقدر الكافي. كما تعكس هذه الخطوة حالة من القلق بشأن ما يعتبره كثيرون مساساً بتوازنات تاريخية ظلت تؤطر العلاقة بين المحامي ومؤسسات الدولة.
وفي المقابل، يطرح مؤيدو الإصلاح سؤالاً مغايراً: هل يمكن للمهنة أن تظل محكومة بالقوانين والضوابط نفسها في ظل التحولات الرقمية والتغيرات التي تعرفها المهن القانونية والقضائية عبر العالم؟ وهو نقاش مشروع بدوره، لكنه يصطدم بغياب أرضية توافقية تسمح بإدارة الاختلاف بعيداً عن منطق كسر الإرادات.
اليوم، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد إذا لم تُفتح قنوات حوار قادرة على استيعاب مختلف الحساسيات المهنية. فاستقالة النقباء ليست مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل رسالة سياسية ومؤسساتية تعكس عمق التوتر القائم، وقد تكون مقدمة لتحركات أكثر اتساعاً خلال الفترة المقبلة.
وبين من يعتبر مشروع القانون خطوة إصلاحية ضرورية، ومن يراه تهديداً لاستقلالية المهنة ومكتسباتها التاريخية، يبقى المؤكد أن ملف المحاماة دخل مرحلة دقيقة، عنوانها الرئيسي: البحث عن التوازن بين متطلبات الإصلاح وضمانات الاستقلال المهني، قبل أن تتحول الأزمة إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها.




