المغرب

استثمارات عمومية بمئات المليارات.. هل يكرس اقتصاد السرعتين؟

يرتقب أن تضخ المؤسسات والمقاولات العمومية أكثر من 209.16 مليار درهم من الاستثمارات خلال سنة 2027، دون احتساب استثمارات صندوق محمد السادس للاستثمار، غير أن تركّز أكثر من 78 في المائة من هذه المبالغ لدى تسعة فاعلين فقط يطرح تساؤلات حول طبيعة النموذج الاقتصادي ومدى استفادة مختلف المقاولات من الفرص التي يتيحها الإنفاق العمومي. فبينما تتوفر المؤسسات الكبرى على إمكانات مالية وتقنية مهمة تسمح لها بإنجاز مشاريع ضخمة، تواجه المقاولات الصغرى والمتوسطة تحديات متزايدة ترتبط بالتمويل والسيولة وارتفاع التكاليف وصعوبة الولوج إلى الصفقات، وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول اقتصاد يسير بسرعتين، تستفيد فيه فئة من الفاعلين من فرص التوسع، فيما تنشغل فئة أخرى بمعركة الاستمرار.

ولا يعني تركّز الاستثمارات بالضرورة وجود اختلال، بالنظر إلى أن مشاريع الماء والطاقة والنقل والبنيات التحتية تتطلب إمكانات كبيرة وخبرة تقنية لا تتوفر لدى جميع المقاولات. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين لا تتحول هذه المشاريع إلى رافعة لبقية النسيج الاقتصادي، ولا تمتد آثارها إلى المقاولات المحلية ومختلف سلاسل الإنتاج والخدمات. فنجاح الاستثمار العمومي لا يقاس فقط بحجم الأموال المرصودة أو بعدد المشاريع المنجزة، بل أيضا بقدرته على خلق فرص الشغل، وتحريك الاقتصاد المحلي، وفتح المجال أمام المقاولات الصغيرة للمشاركة في الدورة الاقتصادية. وإذا ظلت هذه الأخيرة بعيدة عن الصفقات الكبرى، أو اكتفت بأدوار محدودة في المناولة بشروط لا تسمح لها بتحقيق هوامش كافية، فإن أثر الاستثمار قد يظل أقل اتساعا مما توحي به الأرقام.

وفي المقابل، لا يمكن الجزم بأن المقاولات الصغرى تتجه حتما نحو الإفلاس بسبب تركّز الاستثمارات، لأن وضعيتها ترتبط بعوامل متعددة، من بينها كلفة التمويل والمواد الأولية، وحجم الطلب، والقدرة على المنافسة، وآجال تحصيل المستحقات. غير أن هشاشة السيولة تجعل هذه المقاولات أكثر عرضة للصدمات، خصوصا عندما تضطر إلى أداء الأجور والموردين والالتزامات الجبائية قبل تحصيل مستحقاتها. لذلك، فإن أي تأخر في الأداء أو صعوبة في الحصول على التمويل يمكن أن يتحول إلى عبء ثقيل يهدد استمرارية النشاط، حتى عندما تتوفر لدى المقاولة طلبات وفرص عمل.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى ربط الاستثمارات العمومية بسياسة اقتصادية تضمن توزيع فرصها على نطاق أوسع، من خلال تسهيل مشاركة المقاولات الصغيرة والمتوسطة في الصفقات، وتبسيط المساطر، وتحسين شروط التمويل والضمانات، ومراقبة آجال الأداء، وتشجيع إسناد جزء من المشاريع إلى المقاولات المحلية القادرة على توفير الخدمات والتجهيزات. كما يظل التوازن المجالي ضروريا حتى لا تتركز فرص الاستثمار والنمو في عدد محدود من الجهات، بينما تستمر مناطق أخرى في مواجهة ضعف النشاط الاقتصادي ومحدودية فرص الشغل.

إن الرهان لا يتمثل في تقليص استثمارات المؤسسات الكبرى، بل في جعلها تخدم الاقتصاد الوطني بمختلف مكوناته، بدل أن تبقى آثارها محصورة في دائرة محدودة من الفاعلين. فالمغرب يحتاج إلى مشاريع استراتيجية كبرى، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى مقاولات صغيرة قادرة على الصمود والتوسع وخلق مناصب الشغل. وبين حجم الاستثمار وعدالة توزيع ثماره، يظل السؤال المطروح هو ما إذا كانت استثمارات سنة 2027 ستساهم في توسيع قاعدة الإنتاج وتقوية النسيج المقاولاتي، أم أن الفجوة ستستمر بين مؤسسات كبرى تمتلك وسائل التوسع ومقاولات صغرى تكافح من أجل البقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى