أقلام حرة

الدكتور عبد الرزاق وورقية يكتب : "متطلبات إنسانية ضرورية في عالم ما بعد كورونا"

تعد الجوائح والكوارث والحروب الكبرى والاكتشافات البارزة عبر التاريخ محطات فاصلة بين ما قبلها وما بعدها، فأغلب هذه الوقائع تحدث تغييرا كبيرا في المجتمع البشري، فقد ينجم عنها رجّات فكرية وثقافية ودينية وسياسية واقتصادية وحضارية وغيرها …

ويمكن حسب أغلب الخبراء بتاريخ الجوائح تصنيف وباء كورونا ضمن تلك المحطات الفاصلة، فبالرغم من أن العالم ما زال لم يخرج، بعد، من تحت سيطرة هذه الجائحة العامة غير المسبوقة، فإننا نلحظ آثارها بادية على المجتمعات في جميع أنحاء الأرض، وهذه الآثار المحسوسة اليوم هي التي سترسم المتطلبات المستقبلية للمجتمع البشري، ومعلوم أن الحجر الصحي المفروض على أغلب سكان الكوكب سيتيح للفاعلين الأساسيين فرصة للتأمل والمراجعة، وفق السياق الجديد، وبالنظر إلى بعض الآثار التي تراءت للعيان في الأيام السالفة ومازالت مستمرة وتتطور يوما بعد يوم، ويمكن قراءتها ومحاولة استثمارها في استشراف بعض معالم المستقبل البشري، وقبل الخوض في تلك المعالم المنتظرة، سأحاول عرض بعض الدروس الملتقطة في هذا السياق الوبائي الحرج، مركزا على جوانب أساسية منها:

1.   الجانب الصحي: إذ هو مناط التكليف دينا وعقلا، لأنه متعلق بإنقاذ النوع الإنساني من الانقراض كليا أو جزئيا، فعليه مدار باقي الكليات الضرورية بتعبير أهل المقاصد، وقد بدت حاجة الناس للدواء والتلقيحات وللتجهيزات العلاجية، وللطبيب المختص وطاقمه من الممرضين وموظفي النظافة والتعقيم، وللمستشفيات الكبرى والمجهزة بجميع أنواع التجهيزات الطبية من غرف العناية المركزة وأسرة للعلاج، وأجهزة تنفس اصطناعي…

وفي هذا الصدد قد سارعت أغلب الدول إلى وقف عجلة الاقتصاد والتضحية بالمال من أجل إنقاذ أرواح مواطنيها، فيما تلكأت دول أخرى في ذلك لغلبة نزعة الجشع البشري…ولكنها التحقت فيما بعد متأخرة وبضغط من الاتجاهات ذوي النزعات الإنسانية، وباستشارة خبراء الأوبئة، فغلّبت حماية الأرواح على حماية الأموال.

وبالرغم من جميع تلك الإجراءات لمحاصرة الوباء، فإن بعض الدول بالرغم بنيتها الصحية المتطورة انهار نظامها الصحي حتى أصبح المرضى والموتى يسقطون في الشوارع، وفي بيوتهم.

2.   الجانب الأمني: من المعروف أن الكوارث عادة ما تؤثر على الناس من حيث التمسك بالقيم والأخلاق، لذلك تخوف الكثير من الخبراء في بداية الأزمة من حدوث انفلات أمني بسبب الصراع على متطلباتهم الضرورية من الغذاء والدواء، لذلك فرض الجانب الأمني موقعه ومكانته في الحفاظ على السلم والاستقرار داخل المجتمع، فضلا عن تنظيم حالة الطوارئ الصحية وضبطها، ومنع الاعتداءات على الأنفس والممتلكات…

3.   الجانب الغذائي: وهو من أهم الجوانب التي بدت أهميتها الخطيرة خلال فترة الطوارئ الصحية، إذ لا يمكن من الناحية الاقتصادية دخول ساكنة بلد ما في عزلة وحجر صحي إذا لم تؤَمِّن حاجياتها من الغذاء، الشيء الذي يبدو متعسرا حيث انقطعت مجموعة من القطاعات عن الإنتاج، بما فيها الفلاحية، وحتى تلك المُنْتِجة، قد يصيب سلسلتها الصناعية انقطاعٌ بسبب قواعد الحجر الصحي المفروضة، التي إذا طالت مدتها، ستفضي في بعض الدول إلى مجاعات كما حذرت من ذلك منظمة الأغذية العالمية الفاو، لذلك فالبلدان التي تستطيع الصمود تحت الحجر الصحي هي تلك التي حققت اكتفاء ذاتيا في الغذاء، وتستطيع توفيره وإيصاله لجميع مواطنيها.

4.   الجانب البيئي: بعد حوالي شهرين من بداية حالة الطوارئ الصحية في أغلب بلدان العالم، تنفست الأرض الصعداء، وتقلص التلوث وانبعاث الغازات، مما أفضى إلى تقلص غلاف الأوزون إلى أكثر من النصف، وظهور الحيوانات البرية في شوارع بعض المدن، وخروج الكائنات الحية الأخرى من جحورها…وهذا مما لاشك فيه سوف تكون لديه نتائج إيجابية على التوازن البيئي فوق الكوكب الذي نعيش فيه، مما يعطي المصداقية أكثر لحماة البيئة ومطالبهم المشروعة بالحد من مسببات الاحتباس الحراري وآثاره المدمرة.

5.   جانب القيم الإنسانية: إن الرعب الذي أثاره الوباء في موجته الأولى كان اختبارا حقيقيا لنوازع الإنسان، حيث تمت ملاحظة نوعين من التصرفات البشرية، أحدها كان إنسانيا يعبر عن مقتضى القيم الإنسانية النبيلة حيث شاهدنا تكافلا وتضامنا بين فئات المجتمع داخليا وخارجيا بين دول العالم، من جمع الأموال وتوفير الدواء والضروريات للحياة، والنوع الثاني من التصرفات كان بعيدا عن النزعة الإنسانية بل تجلت فيه أغلبُ نوازع الشر والتزاحمُ المذموم على الضروريات، وانهيارُ بعض العلاقات بين الدول بسبب ما ظهر من بعضها من نزوع نحو الأنانية، والتخلي عن فضيلة التضامن…

6.   الجانب الديني: بالرغم من كون الدين مرتكزا أساسيا للحضارة الإنسانية، فإن الجائحة أحدثت رجات في بعض التفسيرات المتطرفة المتلبسة بالدين وما انبنى عليها من اعتقادات وأحكام، ذلك أن بعضها استغل الدين في تفسير الوباء بالعقاب الإلهي مسوغا التشفي في بعض البلدان التي ظهر فيها الوباء أول الأمر، ولكن ما إن اقتربت المصيبة من ساحة أصحاب تلك التفسيرات حتى طفقوا يبحثون عن مخرج لتفسيراتهم…وهذا ما يُنَبِّه على ضرورة إعادة النظر في كثير من التأويلات الدينية المؤدلجة غير المستندة إلى العِلم.

كما أن أولئك المتطرفين قد استمر استغلالهم للدين في السياق الوبائي لأغراضهم غير الدينية، وحاولوا انتهاك قواعد الطوارئ الصحية محتجين بضرورة استمرار الشعائر الجماعية مما كان سيؤدي إلى كارثة في بعض البلدان، لولا الضبط الأمني والقانوني لتلك الانفلاتات، وتدخل الراسخين من أهل الأديان وإجماعهم على تقديم حفظ كلي النفس على حفظ جزئيات الدين.

وبعد عرض بعض هذه الجوانب الملحوظة في السياق الوبائي الحرج على سبيل المثال لا الحصر، لا بد من استخلاص النتائج واستشراف المستقبل في ضوئها، مع أخذ بعين الاعتبار مركزية النوع الإنساني في أي مستقبل نريده للحضارة البشرية، ويمكن إجمال بعض المتطلبات الضرورية كما يلي:

§       ضرورة إعادة بناء النظام الإنساني على أساس القيم المشتركة باعتبار أن كوكب الأرض بكائناته الحية في سفينة واحدة، إذا خُرِقت من أحد جوانبها فإن الغرق سيهدد الجميع، حيث لم يعد استمرار النوع البشري يحتمل عدم تحمل المسؤولية من قبل مجموعة منه في أي مكان فوق الكوكب، فأكل بشر لحيوان بري يحمل فيروسا قاتلا في أية بقعة فوق الأرض يمكن أن يقضي على الحياة البشرية كلها.

§       ضرورة العناية بالأمن الصحي وجعله أولوية لجميع السياسات الحكومية المحلية والعالمية، وهذا يقتضي توفير التغطية الصحية للجميع، وإنشاء مستشفيات تلبي احتياجات الساكنة في العلاج الجيد، والعناية المناسبة.

§       ضرورة تحقيق الأمن الغذائي الذي بموجبه يتوفر الحد الأدنى من العيش للساكنة، مما سيحميها من الهجرات واللجوء، والعنف والتطرف وباقي النتائج الكارثية للمجاعات.  

§       ضرورة الحفاظ على التوازن البيئي، حيث، وكما أشرنا سابقا، نبهت الجائحة على مدى الهاوية التي يقترب منها الإنسان إذا لم يضع حدا لتصرفاته العدائية للبيئة والطبيعة، لذلك سيكون لازما على عقلاء العالم أن يسعوا لإقامة اقتصاد أخضر صديق للبيئة أساسه الطاقة النظيفة.

§       ضرورة جعل العِلْم مُوَجِّها وفاصِلا وحَكَما في القضايا الإشكالية في جميع المجالات، وهذا يقتضي دعمَ البحث العلمي وتطويره في جميع مجالات المعرفة وتبويئه لمصلحة الإنسان، وترسيخ وظيفة أهل العلم كما شاهدناها في السياق الوبائي، حيث تم اللجوء إليهم طلبا للإنقاذ والتفسير والتوجيه والتأطير…

وأخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن هذه المتطلبات الضرورية وغيرها لا يمكن تحقيقها إلا بتغليب الاتجاه الإنساني في العالم ودعم السياسات ذات النزعة العمرانية الخادمة لمصالح المصير المشترك للبشرية على كوكب الأرض، لذلك يتوجب على جميع حكماء ومثقفي العالم تكثيف الجهود من أجل دعم المساعي الإصلاحية للنظام الإنساني وتوجيهه نحو مصير آمن.

ملف من إعداد الدكتور عبد الرزاق وورقية أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس

تعليق واحد

  1. لعلك اغفلت جانبا ألا يمكن اعتبار أن يكون هناك احتمال أن هذا الوباء صناعي، كما هو الحال في عدة فيروسات قد ظهرت سابقا(حرب بيولوجية)، قد تكون هذه حرب اقتصادية بين الدول العظمى. وكل ما انت بصدد ذكره ما هو إلا تداببر ما بعد الكارثه…
    فالحروب كما تعلمون تتنوع وتتعدد أشكالها.
    ما أحاول قوله أن هناك شيئا يجري في الكواليس.
    ومن جانب آخر ألا ترون أن لهذا الوباء عدة إيجابيات على المستوى البيئي مثلا…
    ثم لا ننكر أن هذا الوباء أنه بأمر إلهي إن كان عقاب لقوم فهو رحمة لآخرين.
    كما أن الدين كان سباقا في إقرار الحجر الصحي وليس القوانين أو غبر ذلك.
    كما أن الذين انتقدتهم بأنهم يستخدمون الدين لاغراض أو للتشفي، فأنت أدرى انهم ليسو من أهل الدين ولا أهل العلم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WeCreativez WhatsApp Support
فريق صفروبريس في الاستماع
مرحبا
إغلاق