الرياضهالمغرب

من المدرج إلى اللاوعي الجمعي: كيف تتحول الملاعب إلى مسرح للعداء الرمزي؟


نادراً ما يكون السلوك العدائي في الملاعب مجرد انفلات عابر أو فعل معزول عن محيطه. فالملاعب، في جوهرها، ليست فضاءات رياضية خالصة، بل منصات اجتماعية مكثفة، تتقاطع فيها السياسة بالهوية، والانتماء بالذاكرة الجماعية، والرياضة باللاوعي الجمعي. لذلك، فإن بعض التصرفات التي قد تبدو “صادمة” أو “غير مفهومة” لا تولد في لحظتها، بل تُستدعى من تراكمات نفسية واجتماعية أعمق.
في علم النفس الاجتماعي، يُنظر إلى الجمهور الرياضي بوصفه “جماعة مؤقتة عالية الشحنة الانفعالية”، حيث تتراجع الرقابة الذاتية، ويحل محلها منطق القطيع، وتُستحضر رموز العداء بدل رموز اللعب. في هذا السياق، لا يعود المشجع فردًا يتصرف بعقلانية، بل جزءًا من كيان جمعي يبحث عن تفريغ مشاعر الإحباط، أو إثبات الذات، أو إسقاط الصراع مع “الآخر” في أكثر صوره اختزالًا.
الملاعب هنا تؤدي وظيفة تشبه الطقس الجماعي. فكما كانت الساحات القديمة مسرحًا للرموز والصدامات غير المباشرة، أصبحت المدرجات الحديثة فضاءً لتجسيد صراعات لا تجد متنفسًا لها في الواقع السياسي أو الاجتماعي. وعندما تغيب قنوات التعبير العقلاني، يتحول الرمز إلى أداة بديلة للصراع، ويصبح الفعل الرمزي أبلغ من الخطاب.
من زاوية نفسية، لا يمكن فصل هذا النوع من السلوك عن منطق “الإهانة المعكوسة”. فالجماعة التي تشعر، سواء بوعي أو بلا وعي، بتراجع صورتها الذاتية أو مأزق هويتها، تميل إلى تعويض ذلك عبر أفعال استفزازية موجهة للآخر. ليس الهدف هنا الإضرار المادي، بل استعادة شعور مؤقت بالقوة والسيطرة، حتى وإن كان وهميًا.
أما اجتماعيًا، فإن هذه الممارسات تعكس فشلًا في بناء ثقافة رياضية قائمة على التنافس الرمزي الإيجابي. فحين تتحول المباراة من مواجهة مهارية إلى ساحة إسقاط سياسي أو قومي، فإن ذلك يدل على هشاشة الوعي الجماعي، وعلى اختلاط غير صحي بين الانتماء الرياضي والانتماء الهوياتي الصراعي.
الأخطر في الأمر أن مثل هذه الأفعال، حين تُرتكب داخل فضاء عمومي وتُوثق وتُتداول، لا تبقى حبيسة اللحظة. إنها تُغذي سرديات الكراهية، وتعيد إنتاج صورة “العدو” في المخيال الشعبي، وتخلق دوائر متتالية من الاستفزاز والرد، بما يحول الرياضة من أداة تقارب إلى وقود توتر.
من منظور علم النفس الجمعي، التساهل مع هذا النوع من السلوك لا يؤدي إلى تفريغه، بل إلى تطبيعه. فكل فعل عدائي لا يُواجه بتفكيك رمزي وقانوني واضح، يتحول إلى سابقة، ثم إلى سلوك مألوف، ثم إلى قاعدة غير مكتوبة داخل الجماعة. وهنا يصبح الخطر مضاعفًا، لأن العنف الرمزي غالبًا ما يكون مقدمة لعنف مادي.
لهذا، فإن معالجة مثل هذه الظواهر لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، رغم ضرورتها، بل تستوجب مقاربة ثقافية وتربوية ونفسية، تعيد تعريف معنى التشجيع، وتفصل بين الهوية الرياضية والعداء الهوياتي، وتُخرج الملعب من كونه مساحة لتصفية الحسابات الرمزية.
في النهاية، الملاعب تعكس المجتمعات أكثر مما تصنعها. وما يظهر في المدرجات ليس إلا صدى لما يختزن في الوعي الجمعي من توترات غير محلولة. لذلك، فإن حماية الفضاء الرياضي ليست فقط حماية لمباراة أو جمهور، بل حماية لصورة المجتمع عن نفسه، ولقدرته على إدارة الاختلاف دون الانزلاق إلى رموز الإهانة والعداء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى