قمع الصورة قبل الحقيقة.. كيف يوظف نظام العسكر الجزائري الكوارث لقمع حرية الرأي والتعتيم الإعلامي

في مشهد يعكس منطق السلطة أكثر مما يعكس منطق الدولة، لجأت السلطات الجزائرية إلى التهديد باعتقال ومحاكمة كل من قام بتصوير الفيضانات التي تضرب عدداً من مناطق البلاد ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، في خطوة تفضح مرة أخرى طبيعة العلاقة المتوترة بين نظام العسكر وحرية الرأي والصحافة، خاصة عندما تصطدم الوقائع الميدانية بالرواية الرسمية.
بدل اعتبار توثيق الفيضانات عملاً مواطنًا يساهم في نقل حقيقة الأوضاع، والتنبيه إلى حجم الخسائر والمخاطر، اختار النظام الجزائري مقاربة أمنية قائمة على التخويف والتجريم، وكأن المشكلة لا تكمن في ضعف البنيات التحتية أو غياب سياسات وقائية ناجعة، بل في الكاميرا والهاتف والمواطن الذي قرر أن ينقل ما يراه بعينيه.
هذا السلوك ليس معزولاً عن السياق العام الذي تعيشه الجزائر منذ سنوات، حيث تحولت حرية التعبير إلى استثناء، وأصبحت الصحافة المستقلة هدفًا مباشرًا للملاحقات القضائية والإدارية، في مقابل إعلام رسمي يشتغل بمنطق الدعاية وتلميع السلطة، حتى في لحظات الكوارث والأزمات الإنسانية. فالتعتيم لم يعد مجرد خيار، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى التحكم في الصورة ومنع أي سردية بديلة قد تكشف فشل التدبير أو تقصير المؤسسات.
إن تجريم تصوير الفيضانات لا يعني سوى شيء واحد: الخوف من الحقيقة. فالدول الواثقة من مؤسساتها تسمح بالنقد، وتتعامل مع الكوارث بشفافية، وتعتبر الإعلام شريكًا في الإخبار والمساءلة، لا خصمًا يجب إخراسه. أما حين يصبح المواطن مهددًا بسبب صورة أو فيديو، فهذا مؤشر خطير على انسداد سياسي وإعلامي عميق.
كما أن هذا التوجه يضع الجزائر في مواجهة مباشرة مع المعايير الدولية لحرية الصحافة وحقوق الإنسان، التي تكفل حق الوصول إلى المعلومة ونشرها، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلامة المواطنين والكوارث الطبيعية. فالتضييق على الصحافة لا يمنع الفيضانات، ولا يحجب آثارها، بل يزيد من انعدام الثقة بين المجتمع والدولة.
في المحصلة، تكشف تهديدات النظام الجزائري بشأن تصوير الفيضانات عن ذهنية عسكرية ترى في الإعلام خطرًا، وفي المواطن خصمًا، وفي الحقيقة تهديدًا للأمن. وهي ذهنية لا تنتج سوى مزيد من التعتيم، وتؤكد أن معركة الجزائريين الحقيقية ليست فقط مع الكوارث الطبيعية، بل مع نظام يصرّ على محاصرة الكلمة والصورة بدل معالجة جذور الأزمات.




