المغرب

رهان جديد على المقاولات الصغيرة: هل تنجح مقاربة التشغيل بالمغرب في تحويل التمويل إلى فرص شغل؟


في سياق يتسم بتعقّد إشكالية التشغيل وتنامي الضغط الاجتماعي المرتبط بندرة فرص الشغل، أعلن بالمغرب عن إطلاق برنامج جديد لدعم ريادة الأعمال والمقاولات الصغرى والمتوسطة، في خطوة تعكس تحولًا في مقاربة التعاطي مع سوق الشغل، من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الاستثمار في المبادرة الاقتصادية كرافعة للتشغيل المستدام.
البرنامج، الذي أطلقته مجموعة البنك الإفريقي للتنمية بالرباط، يهدف إلى دعم منظومة ريادة الأعمال بالمغرب، مع تركيز خاص على ربط التمويل العمومي وشبه العمومي بنتائج ملموسة في مجال خلق فرص الشغل، بدل الاكتفاء بمؤشرات عددية تتعلق بعدد المشاريع أو المستفيدين.
ويرتكز هذا التوجه الجديد على اعتبار المقاولات الصغرى والمتوسطة عنصرًا محوريًا في النسيج الاقتصادي الوطني، وقادرة، إذا ما توفرت لها شروط المواكبة والتمويل والتحفيز، على لعب دور أساسي في امتصاص جزء من البطالة، خصوصًا في صفوف الشباب وحاملي المشاريع.
ولا يقتصر البرنامج على ضخ الموارد المالية، بل يسعى إلى تعزيز فعالية الآليات العمومية المخصصة لمواكبة رواد الأعمال، وتحسين نظم التحفيز، وتشجيع مقاربات تشغيلية مبتكرة، بما ينسجم مع خارطة الطريق الوطنية للتشغيل والاستراتيجية الوطنية للشمول المالي، اللتين تراهنان على خلق فرص شغل رسمية ومستدامة.
وفي هذا الإطار، تحظى المقاولات النسائية بمكانة خاصة داخل هذا البرنامج، حيث سيتم تمكين رائدات الأعمال من دعم مالي وتقني يمكنهن من استكمال إعداد مشاريعهن وتجاوز العوائق المرتبطة بالولوج إلى التمويل، في محاولة لمعالجة أحد أوجه الهشاشة البنيوية التي تعيق تطور المبادرة الاقتصادية النسائية بالمغرب.
ويراهن القائمون على هذا البرنامج على إرساء ثقافة جديدة في تدبير برامج الدعم، قائمة على تتبع الأثر الاقتصادي والاجتماعي، وقياس النتائج الفعلية على مستوى التشغيل، بما يعزز فعالية السياسات العمومية ويحد من التشتت الذي طبع عددًا من المبادرات السابقة.
كما يعكس انخراط مؤسسات وطنية وشركاء ماليين وتقنيين دوليين في هذا البرنامج توجّهًا نحو مقاربة تشاركية، تسعى إلى تنسيق الجهود وتفادي ازدواجية البرامج، بما يسمح بتقوية الاقتصاد المحلي وتحسين مناخ الأعمال، خصوصًا لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة.
غير أن نجاح هذا الرهان يظل رهينًا بقدرة هذه المقاربة على تجاوز الإكراهات البنيوية المعروفة، وفي مقدمتها تعقيد المساطر، وصعوبة الولوج إلى التمويل، وضعف استدامة عدد من المشاريع المحدثة، وهي تحديات تجعل من ربط التمويل بالأثر التشغيلي اختبارًا حقيقيًا لنجاعة هذا التوجه الجديد.
في المحصلة، يعكس هذا البرنامج محاولة لإعادة توجيه سياسة التشغيل بالمغرب نحو دعم المبادرة الاقتصادية المنتجة للقيمة وفرص الشغل، بدل الاكتفاء بسياسات الدعم التقليدية، في انتظار ما ستكشفه السنوات المقبلة من قدرة هذه المقاربة على تحويل التمويل إلى مناصب شغل حقيقية ومستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى