
ليس حدثًا بروتوكوليًا عابرًا أن يُنتخب السفير المغربي لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، بالإجماع، رئيسًا للجنة بناء السلام لسنة 2026. فالإجماع داخل أروقة الأمم المتحدة نادر، وعندما يتحقق، فإنه لا يُمنح للمجاملات، بل يُراكم فوق مسار طويل من الثقة والفاعلية والقدرة على إدارة التوازنات الدقيقة.
لجنة بناء السلام ليست فضاءً خطابيًا، بل آلية أممية تُشتغل في أكثر المناطق هشاشة في العالم، حيث تتقاطع آثار الحروب مع الفقر، وتتصارع الذاكرة مع المستقبل. ومن يتولى رئاستها لا يُطلب منه فقط الدفاع عن مبادئ عامة، بل القدرة على ترجمتها إلى مسارات عملية: منع عودة النزاعات، دعم الدول الخارجة من الأزمات، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
في هذا السياق، يأتي اختيار المغرب منسجمًا مع صورة راكمها خلال السنوات الأخيرة داخل المنظومة الأممية: دولة لا تكتفي بإعلان المواقف، بل تشتغل بهدوء داخل آليات الوساطة، وتُفضل الحلول السياسية الواقعية على منطق الاستقطاب والصدام. وهو ما منح الدبلوماسية المغربية مصداقية خاصة، خصوصًا في القضايا الإفريقية والملفات المرتبطة بإعادة الإعمار وبناء المؤسسات.
شخصية عمر هلال لعبت، بدورها، دورًا حاسمًا في هذا المسار. فالرجل لا يُعرف بخطاب انفعالي أو استعراضي، بل بإدارة دقيقة للنقاشات، وقدرة على تفكيك الخطابات المتصلبة، وبناء تحالفات عابرة للانقسامات الجغرافية والإيديولوجية داخل الأمم المتحدة. وهو نمط من الدبلوماسية ينسجم مع التحولات الجديدة في العمل الأممي، حيث لم يعد الصوت العالي معيارًا للتأثير.
الأهم في هذا التعيين، أنه يعكس تصورًا مغربيًا أوسع للسلام: سلام لا يُختزل في غياب السلاح، بل يُبنى عبر التنمية، واحترام السيادة الوطنية، وتعزيز التعاون جنوب–جنوب، ونقل التجارب بدل تصدير الوصاية. وهو تصور يجد صداه داخل لجنة تُعنى أساسًا بمرحلة ما بعد النزاع، حيث تفشل الحلول الجاهزة وتنجح المقاربات المرنة.
رئاسة لجنة بناء السلام لسنة 2026 ليست تتويجًا لمسار دبلوماسي فحسب، بل اختبار جديد لقدرة المغرب على تحويل رصيده السياسي إلى تأثير فعلي داخل واحدة من أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي. اختبار يبدو أن الرباط اختارت دخوله بهدوء… ولكن بثقة كاملة في أدواتها.




