ذاكرة العنف المنسي: حين تتحول الدولة إلى طرف في الجريمة

رغم مرور سنوات طويلة على ما عُرف في الجزائر بـ“العشرية السوداء”، ما تزال تلك المرحلة تطرح أسئلة ثقيلة لم تجد طريقها إلى الحقيقة والمساءلة. فبدل فتح أرشيف الانتهاكات الجسيمة، اختارت السلطة مقاربة قائمة على النسيان القسري، عبر قوانين العفو وميثاق “السلم والمصالحة”، وكأن طيّ الصفحة كفيل بمحو ما كُتب فيها.
غير أن الذاكرة الحقوقية لا تعمل بمنطق المراسيم. فبعض الشهادات، خصوصاً تلك الصادرة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، أعادت تفجير النقاش حول طبيعة ما جرى في التسعينات. من أبرز هذه الشهادات ما ورد في كتاب الحرب القذرة للضابط السابق حبيب سويدية، الذي قدّم رواية صادمة عن ممارسات ميدانية خرجت، حسب وصفه، عن كل إطار قانوني أو أخلاقي.
لا يتعامل الكتاب مع العنف باعتباره “أضراراً جانبية” لحرب على الإرهاب، بل يقدّمه كخيار ممنهج في بعض المناطق، حيث جرى اعتماد الترهيب الجماعي وسيلة لضبط المجتمع، في خلط خطير بين المدني والمسلح، وبين الاشتباه والعقاب. وتبرز في هذا السياق حادثة وقعت بمنطقة الأخضرية، تحوّلت لاحقاً إلى رمز لانزلاق السلطة من منطق حماية الأمن إلى ممارسة انتهاكات جسيمة في حق الإنسان.
أهمية هذه الشهادة لا تكمن فقط في مضمونها، بل في المسار الذي اتخذته لاحقاً. ففي سنة 2002، حاول وزير الدفاع الأسبق خالد نزار إسكات سويدية قضائياً عبر دعوى تشهير بفرنسا. غير أن المحكمة رفضت الدعوى، وهو ما اعتُبر حينها اعترافاً ضمنياً بشرعية طرح الأسئلة التي حاول النظام طمسها.
من منظور حقوقي، تكشف هذه القضية محدودية مقاربة “السلم دون حقيقة”. فالعفو الذي لا يسبقه كشف للوقائع ولا يواكبه إنصاف للضحايا، لا يحقق المصالحة، بل يؤسس لثقافة الإفلات من العقاب. كما أن تغييب النقاش العمومي حول الانتهاكات يترك جروحاً مفتوحة في الوعي الجمعي، تظهر آثارها مع كل أزمة سياسية أو اجتماعية.
إن استحضار مثل هذه الوقائع اليوم ليس استدعاءً للماضي من باب التشفي، بل دفاع عن مبدأ كوني: الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم، وكرامة الإنسان لا تُجزّأ بحسب الظرف السياسي. فالدولة التي ترفض مواجهة تاريخها، تُضعف قدرتها على بناء مستقبل قائم على الحق والقانون.
في النهاية، قد تنجح السلطة في إغلاق الملفات رسمياً، لكنها تعجز عن إسكات الذاكرة. لأن ما لم يُحاسَب عليه بالأمس، سيبقى سؤالاً معلّقاً في الحاضر… ومصدر قلق دائم للمستقبل.




