المغرب

حين يختلف الرفاق… يصبح الانقسام “تجديداً” والاستقالة “ثورة” داخل اليسار


يبدو أن اليسار المغربي قرر هذه المرة أن يثبت للجميع أنه قادر على إنتاج النقاشات الكبرى… حتى عندما يتعلق الأمر بعدد المنخرطين الذين يحملون نفس البطاقة التنظيمية ونفس الشعارات القديمة.
فبعد أشهر من شد الحبل داخل الحزب الاشتراكي الموحد، انتقلت الخلافات من غرف الاجتماعات المغلقة إلى بلاغات الاستقالة المفتوحة، بعدما أعلن 56 عضواً مغادرتهم للحزب، في خطوة وصفها أصحابها بأنها بداية مسار جديد لإعادة بناء اليسار، بينما قد يراها آخرون مجرد حلقة جديدة من مسلسل الانقسامات الذي أنهك اليسار المغربي لعقود.
المفارقة أن اليسار، الذي طالما انتقد الأحزاب الأخرى بسبب الصراعات الداخلية والصراع حول المواقع، وجد نفسه يعيش السيناريو نفسه: تيارات داخل تيارات، وبيانات ضد بيانات، واتهامات متبادلة حول من يحمل “المشروع الحقيقي” ومن انحرف عن الطريق.
ففي الوقت الذي يقول فيه تيار “اليسار الجديد المتجدد” إنه اختار الرحيل بعد استنفاد كل فرص الإصلاح الداخلي، ترى قيادة الحزب أن الأمور لا تسير بمنطق الخلاف الفكري فقط، بل ترتبط بتجاوزات تنظيمية تستوجب اتخاذ قرارات حاسمة. وبين الروايتين يقف المتابع حائراً: هل نحن أمام ولادة مشروع يساري جديد أم أمام انقسام يساري جديد؟
المشهد يحمل شيئاً من السخرية السياسية؛ فكل طرف يؤكد أنه يدافع عن وحدة اليسار، لكن الطريق إلى هذه الوحدة يمر غالباً عبر تأسيس تيار جديد أو مغادرة تنظيم قديم. وكأن اليسار المغربي أصبح يمتلك قدرة فريدة على إعادة إنتاج نفسه عبر الانقسام: كلما خرجت مجموعة قالت إنها ستعيد بناء البيت، ثم ينتهي الأمر ببناء بيت آخر يحمل نفس الأثاث السياسي تقريباً.
من جهة أخرى، فإن الحديث عن “اليسار الجديد المتجدد” يطرح سؤالاً بسيطاً: كم مرة يحتاج اليسار إلى التجدد حتى يصبح جديداً فعلاً؟ وهل يكفي تغيير الاسم وإطلاق بيانات قوية لإقناع المواطنين بأن شيئاً جوهرياً تغير؟
فالشارع المغربي لا يعيش أزمة نقص في البيانات السياسية، بل يعيش أزمات مرتبطة بالقدرة على التأثير، وعلى تقديم بدائل ملموسة، وعلى تحويل الأفكار الكبرى إلى حضور اجتماعي وسياسي حقيقي.
أما المواطن الذي تابع لعقود انقسامات الأحزاب اليسارية، فقد يجد نفسه أمام مشهد يشبه مباراة داخلية طويلة: اللاعبون يغيرون مراكزهم، المدربون يتبدلون، لكن النتيجة النهائية تبقى غالباً خارج المنافسة الكبرى.
وفي انتظار ما ستكشف عنه الندوة الصحافية المرتقبة للمستقيلين، يبقى السؤال مطروحاً: هل نحن أمام بداية ميلاد قوة يسارية جديدة، أم أمام فصل آخر من كتاب الانقسامات الذي يبدو أن اليسار المغربي لم يجد بعد طريقة لإغلاقه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى