العالم

حين يتكلم الصمت أكثر من البيانات: تصدّعات التحالف السعودي-الإماراتي على بوابة اليمن


ليست كل الأزمات التي تضرب العلاقات بين الدول تُعلن رسميًا، ولا كل التوترات تُقاس بحدة التصريحات. أحيانًا، يكفي تحرك ميداني غير منسق، أو سفن تُبحر بلا تصاريح، ليفضح ما تحاول البيانات الدبلوماسية تغليفه بلغة “الدعم” و”الاحترام المتبادل”. ما يجري بين السعودية والإمارات على خلفية تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن يندرج تمامًا في هذا السياق الرمادي.
في الظاهر، تصرّ أبوظبي على نفي أي صلة لها بتصعيد عسكري قرب الحدود السعودية، وتؤكد – كما جرت العادة – دعمها الكامل لأمن المملكة واستقرارها. بيان محسوب الكلمات، دقيق الصياغة، يخاطب العواصم أكثر مما يخاطب الميدان. لكن في العمق، فإن الوقائع على الأرض تطرح أسئلة لا تُجيب عنها لغة النفي وحدها.
المجلس الانتقالي الجنوبي ليس فاعلًا عاديًا في المشهد اليمني، بل هو أداة نفوذ واضحة للإمارات في الجنوب، سياسيًا وعسكريًا. وحين يتحرك هذا المجلس عسكريًا في مناطق حساسة، أو حين تمر شحنات “لوجستية” ثقيلة من الفجيرة إلى المكلا دون علم أو تنسيق مع قيادة التحالف، فإن الأمر يتجاوز حدود سوء الفهم التقني، ليصل إلى جوهر الخلاف الاستراتيجي بين شريكين يختلفان في الأهداف وإن التقيا في الشعارات.
السعودية تنظر إلى اليمن من زاوية الأمن القومي المباشر وحدودها الجنوبية، وتسعى – على الأقل نظريًا – إلى يمن موحد ومستقر يمنع تشكل كيانات مسلحة خارج السيطرة. في المقابل، تتعامل الإمارات مع الجنوب كمساحة نفوذ جيوسياسي وبحري، حيث الموانئ، وخطوط الملاحة، واللاعبون المحليون القابلون للتوظيف. هذا التباين لم يكن سرًا يومًا، لكنه اليوم يخرج إلى السطح بأدوات أكثر خشونة.
اللافت في البيان الإماراتي ليس ما قاله، بل ما تجاهله. فالتأكيد على أن العربات لا تتضمن أسلحة، وأنها مخصصة لمهام لوجستية، لا ينفي السؤال الأهم: لصالح من؟ وتحت أي سلطة؟ وبأي تنسيق؟
في الحروب المركبة، لا تُقاس الخطورة بنوع الشحنة فقط، بل بسياقها السياسي والعسكري.
ما يحدث اليوم يعكس أزمة ثقة أكثر مما يعكس خلافًا عابرًا. تحالف الحرب على اليمن، الذي قُدّم في بدايته كجبهة موحدة، بات أقرب إلى شراكة ظرفية تتعايش فيها الأجندات المتناقضة إلى أن تنفجر عند أول احتكاك ميداني حقيقي. وحين يصبح الحليف قلقًا من تحركات حليف آخر على حدوده، فذلك مؤشر على أن التحالف لم يعد غرفة عمليات واحدة، بل غرفًا متجاورة بأبواب مواربة.
في النهاية، قد تُطوى هذه الأزمة ببيان جديد أو اتصال سياسي رفيع، لكن آثارها ستبقى. فاليمن لم يعد فقط ساحة حرب، بل مرآة تعكس حدود التحالفات الإقليمية، وتكشف أن وحدة الموقف لا تُبنى بالتصريحات، بل بتطابق المصالح. وما دام هذا التطابق غائبًا، فإن كل سفينة “لوجستية” قد تتحول إلى أزمة سياسية عابرة للبيانات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى