تعيين المنصوري ورهان المعارضة.. هل يعيد صعود البام فتح سؤال الدولة والحزب؟

أعاد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية، النقاش حول طبيعة الحزب ومساره السياسي إلى واجهة المشهد المغربي. فقد جاء التعيين، الذي تم بموجب الفصل 47 من الدستور، بعد حصول الحزب على المرتبة الأولى في انتخابات 23 شتنبر، ليجد المغرب نفسه أمام أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، وفي الوقت نفسه أمام نقاش سياسي قديم حول موقع الأصالة والمعاصرة داخل الخريطة الحزبية.
وفي هذا السياق، اختار تحالف اليسار مقاربة تتجاوز شخص المنصوري، ليربط وصولها إلى رئاسة الحكومة بتاريخ الحزب الذي تنتمي إليه وبالظروف التي رافقت تأسيسه. واعتبر التحالف أن صعود الأصالة والمعاصرة لا يمكن قراءته بمعزل عن تصور سياسي يرى أن الحزب نشأ من داخل دوائر السلطة، وأن وظيفته، بحسب هذا الطرح، ارتبطت بإعادة ترتيب الحقل الحزبي ومحاصرة قوى سياسية كانت تنظر إلى نفسها باعتبارها معارضة مستقلة.
وتحيل هذه القراءة إلى إشكالية أوسع تتعلق بالعلاقة بين المؤسسات الحزبية وموازين القوة داخل النظام السياسي المغربي. فالأصالة والمعاصرة تأسس سنة 2008، وشاركت المنصوري نفسها في مساره منذ بداياته، قبل أن تتدرج في مواقع سياسية وانتخابية متعددة، من رئاسة جماعة مراكش إلى عضوية البرلمان ثم تولي حقيبة وزارية، وصولا إلى قيادة الحزب وتشكيل الحكومة اليوم.
غير أن تفسير مسار الحزب باعتباره مجرد امتداد لمنطق سياسي سابق يظل موقفا سياسيا تتبناه أطراف معارضة، وليس حقيقة متفقا عليها بين مختلف الفاعلين. فالحزب يقدم نفسه باعتباره قوة سياسية تحمل مشروعا يرتبط بالحداثة والإصلاح، فيما يرى خصومه أن نشأته وسياقه التاريخي يفرضان مساءلة دوره داخل الحياة السياسية. ومن هنا تصبح مسألة “أصل الحزب” جزءا من صراع أوسع حول كيفية فهم تطور التعددية الحزبية في المغرب، وليس مجرد خلاف حول شخصية رئيسة الحكومة الجديدة.
وتكتسب مواقف تحالف اليسار أهمية إضافية بالنظر إلى اختياره موقع المعارضة، وإعلانه الاستعداد لممارسة العمل السياسي داخل المؤسسات وخارجها. وبذلك، فإن التحدي الذي يواجه المنصوري لا يرتبط فقط بتشكيل أغلبية قادرة على ضمان انسجام الحكومة، وإنما أيضا بإدارة علاقة سياسية مع معارضة تسعى إلى تحويل البرلمان والفضاء العمومي إلى مجال لمساءلة اختيارات الأغلبية الجديدة. وقد أعلن التحالف بالفعل اصطفافه في المعارضة ورفضه الدخول في تحالف مع حزب العدالة والتنمية.
وفي المقابل، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يضيف بعدا آخر إلى النقاش. فالمنصوري أصبحت أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب، وهو تطور رمزي ومؤسساتي بارز، لكن خصومها السياسيين يصرون على أن النقاش حول حضور المرأة لا ينبغي أن يحجب، من وجهة نظرهم، الأسئلة المتعلقة بطبيعة المشروع السياسي للحزب الذي أوصلها إلى رئاسة الحكومة. وهنا يتقاطع البعد الرمزي للتعيين مع صراع سياسي حول مضمون المرحلة المقبلة وليس فقط حول جنس من يقود الحكومة.
وبينما بدأت المنصوري مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية، فإن النقاش الذي فتحه تحالف اليسار قد يتحول إلى أحد عناوين المرحلة المقبلة: هل سيستطيع الأصالة والمعاصرة، بعد وصوله إلى رئاسة الحكومة للمرة الأولى، أن يقدم نفسه باعتباره حزبا حكوميا ذا مشروع مستقل وقابل للمساءلة السياسية، أم أن خصومه سيواصلون اختزال مساره في ظروف نشأته وعلاقته التاريخية بموازين السلطة؟ الإجابة لن تحسمها التصريحات السياسية وحدها، وإنما ستتحدد تدريجيا من خلال طبيعة الحكومة المقبلة، وبرنامجها، وطريقة تدبيرها للعلاقة مع المعارضة، ومدى قدرتها على ترجمة وعودها السياسية إلى سياسات عمومية قابلة للتقييم والمحاسبة.




