
تصريحات الوزير المنتدب لدى وزيرة المالية فوزي لقجع أعادت النقاش حول أولوية تنظيم كأس العالم 2030، في وقت يطالب فيه جزء واسع من الرأي العام بالتركيز على الملفات الاجتماعية الكبرى، وعلى رأسها التعليم، الصحة، والتشغيل. فلقجع أكد أن المونديال ليس مجرد حدث رياضي، بل فرصة استراتيجية لتسريع وتيرة التنمية وخلق الثروة، معتبرا أن قطاعي الصحة والتنمية في قلب التزامات المغرب أمام الاتحاد الدولي لكرة القدم.
من الناحية المبدئية، يمكن النظر إلى استضافة كأس العالم كرافعة اقتصادية وتنموية إذا تم توجيه الاستثمارات بشكل عقلاني ومدروس، بحيث تتحول الملاعب والبنى التحتية إلى مشاريع مستدامة تخدم المواطن بعد انتهاء الحدث. لكن الإشكال الحقيقي في التجارب السابقة، سواء في دول الجنوب أو حتى في بعض الاقتصادات الكبرى، هو أن هذه المناسبات تنتهي غالبا بارتفاع الديون وتراجع الخدمات الأساسية بدل تحسينها.
لقجع أشار إلى أن الفيفا تفرض معايير صارمة في ما يتعلق بالبنية الصحية للبلدان المنظمة، وهو ما قد يدفع نحو تسريع إصلاح المستشفيات وتطوير خدمات الإسعاف والتجهيزات الطبية. هذه النقطة تبدو إيجابية في ظاهرها، لكنها تطرح تساؤلا جوهريا: هل يجب انتظار الفيفا لإصلاح قطاع الصحة؟ أليس من المفترض أن تكون كرامة المواطن وأمنه الصحي دافعا كافيا قبل أي التزام خارجي؟
المنطق التنموي السليم يقتضي أن تكون الرياضة وسيلة لتقوية الاقتصاد والمجتمع، لا بديلا عن الإصلاح الحقيقي. فإذا استطاع المغرب توظيف الاستعدادات للمونديال لتأهيل المستشفيات، تحسين النقل العمومي، وتوسيع البنى التحتية في المناطق المهمشة، فسيكون الحدث فعلا رافعة حقيقية للتنمية. أما إذا اقتصر الأمر على تلميع الصورة وإنجاز مشاريع ظرفية مرتبطة بالملاعب والفنادق، فستكون النتيجة تكرارا لأخطاء الماضي.
المغرب اليوم أمام فرصة نادرة: إما أن يجعل من المونديال 2030 مشروع دولة شامل يربط الرياضة بالتنمية والصحة والتعليم، أو أن يحوله إلى مجرد احتفال رياضي عابر. الخيار بيد المسؤولين، لكن التاريخ لا يتذكر من نظم المباريات، بل من استثمر الحدث لصالح شعبه.




