المغرب

الصحراء بين واقعية اللحظة وانهيار الأوهام المؤجلة


لم يعد ملف الصحراء المغربية أسير اللغة الخشبية ولا رهين الشعارات التي استهلكها الزمن، بل دخل، على ما يبدو، مرحلة جديدة عنوانها الواقعية السياسية والضغط الدولي المتصاعد. فحسب ما أوردته مجلة جون أفريك، فإن الجزائر وجبهة البوليساريو تتحركان، وإن ببطء وحذر، في اتجاه التعاطي الإيجابي مع مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الإطار الوحيد المتبقي داخل دائرة الممكن، بعد سنوات طويلة من الرهان على خيارات تجاوزها الواقع الدولي.
هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الأممي الجديد الذي أعاد رسم سقف التفاوض، خاصة بعد القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن، والذي كرس من جديد منطق الحلول “الواقعية والمتوافق بشأنها”، واضعًا حدًا عمليًا لأطروحة الاستفتاء بصيغتها التقليدية، ومُخرجًا خيار الانفصال من خانة الحلول القابلة للتنزيل. فمنذ ذلك القرار، لم يعد النقاش يتمحور حول “من يملك الصحراء”، بل حول “كيف تُدار الصحراء” داخل السيادة المغربية.
في هذا الإطار، تبرز الدينامية التي تقودها الولايات المتحدة، والتي باتت تضغط في اتجاه فتح مسار تفاوضي يتمحور صراحة حول تفاصيل المبادرة المغربية للحكم الذاتي، لا باعتبارها مجرد مقترح من بين مقترحات، بل كأرضية سياسية مرجعية. هذا الضغط، المدعوم بزخم دولي متنام، وضع الأطراف الأخرى أمام معادلة جديدة: إما الانخراط في منطق التسوية، أو تحمل كلفة الاستمرار في الجمود داخل عالم يتغير بسرعة.
وفي هذا السياق بالذات، تكتسي مشاركة الجزائر في بعض اللقاءات الدولية ذات الصلة بالملف دلالة سياسية خاصة، إذ لم يعد من الممكن قراءة هذا الحضور كخطوة بروتوكولية معزولة، بل كمؤشر على مراجعة هادئة لموقف ظل جامدًا لعقود. فقبول الجلوس إلى طاولة نقاش تُطرح فيها الخطة المغربية دون شروط مسبقة، وتحت إشراف أمريكي مباشر، يعني ضمنيًا أن هامش المناورة قد ضاق، وأن كلفة الرفض أصبحت أعلى من كلفة التفاوض.
أما مضمون الحكم الذاتي المقترح، كما تتداوله بعض الدوائر الإعلامية الأوروبية، فيقوم على منح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها المحلية، عبر مؤسسات منتخبة، مع احتفاظ الدولة المركزية بالاختصاصات السيادية الكبرى، من قبيل الدفاع والسياسة الخارجية والعملة. وهو تصور يسعى إلى الجمع بين متطلبات السيادة الوطنية وضرورات التدبير الديمقراطي المحلي، في إطار يراهن على الاستقرار والتنمية بدل الصراع المفتوح.
ولا يخلو هذا التصور من بعد تصالحي، إذ يتحدث عن ترتيبات لعودة سكان مخيمات تندوف، وإمكانية فتح صفحة جديدة مع بعض قيادات جبهة البوليساريو، في أفق طيّ نزاع طال أمده واستنزف طاقات المنطقة دون طائل. غير أن التحدي الأكبر، في نظر مراقبين، لن يكون تقنيًا أو قانونيًا، بل سياسيًا بالدرجة الأولى، خاصة بالنسبة للجزائر التي قد تجد نفسها مطالبة بإعادة تهيئة رأيها العام لتحول استراتيجي طال انتظاره.
الأسابيع المقبلة تبدو حاسمة، مع حديث عن جولات تفاوض جديدة، وجلسة مفصلية مرتقبة في شهر مايو، يُنتظر أن ترسم معالم اتفاق-إطار يضع حدًا لمرحلة ويفتح أخرى. وبين ضغط الواقع وتآكل الشعارات، يبدو أن ملف الصحراء يقترب، أكثر من أي وقت مضى، من لحظة الحقيقة: إما تسوية عقلانية تنهي نزاعًا مفتعلًا، أو عزلة سياسية في عالم لم يعد ينتظر المترددين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى