الدعم الذي يُغذي الأرباح لا الأسواق.. كيف تتحول أموال المغاربة إلى مكافآت للوبيات؟
في كل مرة ترتفع فيها أسعار اللحوم أو الأعلاف أو السكن، يخرج المسؤولون ليحدثونا عن “الأزمة العالمية”، والحرب في أوكرانيا، والجفاف، وارتفاع كلفة النقل والطاقة. لكن المشكلة تبدأ حين تنتهي الأزمة في العالم، بينما تستمر داخل المغرب وكأنها قدر أبدي مفروض على المواطنين فقط.
الأرقام هذه المرة لا تتحدث عن شعارات سياسية أو مزايدات حزبية، بل عن معطيات اقتصادية واضحة: أسعار المواد الأولية عالمياً انخفضت بشكل كبير منذ 2024. الذرة والصوجا والقمح، وهي المكونات الأساسية للأعلاف، عادت تقريباً إلى مستويات ما قبل أزمة 2022. حتى النفط الذي يتحكم في كلفة النقل والإنتاج استقر في مستويات أقل بكثير من ذروة الأزمة.
منطق السوق يقول إن انخفاض كلفة الإنتاج يجب أن ينعكس على الأسعار النهائية. لكن في المغرب يحدث شيء مختلف تماماً: الكلفة تهبط عالمياً، والدعم الحكومي يتضاعف، بينما الثمن عند المواطن يبقى مشتعلاً.
الدولة، من جهتها، لم تقف مكتوفة الأيدي. فقد ألغت الرسوم الجمركية والضرائب على استيراد عدد من المواد الأساسية، وضخت مليارات الدراهم في دعم الأعلاف والشعير والماشية، وقدمت مساعدات مباشرة للمستوردين والفاعلين الكبار في القطاع تحت شعار حماية القدرة الشرائية والحفاظ على القطيع الوطني.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الدولة قد دعمت، والعالم قد رخص، فلماذا لم يرخص السوق؟
هنا تبدأ المنطقة الرمادية التي يتجنب كثيرون الاقتراب منها. فالأرقام المتعلقة بأسعار الأعلاف تكشف مفارقة صادمة؛ ففي الوقت الذي تراجعت فيه أسعار المواد الأولية عالمياً، بقيت أسعار العلف في السوق المغربية مرتفعة بشكل غير مبرر. وكأن الأزمة تحولت من ظرف عالمي مؤقت إلى نموذج اقتصادي دائم يضمن هامش ربح استثنائي لفئة محدودة.
الأخطر من ذلك أن الدعم العمومي، الذي يفترض أن يحمي المستهلك والكساب الصغير، أصبح عملياً آلية غير مباشرة لحماية أرباح الشركات الكبرى. الدولة تدعم، والشركات تستفيد، لكن المواطن لا يشعر بأي فرق. بل أحياناً ترتفع الأسعار أكثر بعد الدعم، كما وقع في قطاع السكن.
فبرنامج دعم السكن الذي قُدم باعتباره خطوة اجتماعية لمساعدة المواطنين على اقتناء شقق، انتهى عملياً إلى رفع أسعار العقار بقيمة قريبة من مبلغ الدعم نفسه. أي أن الدعم الذي كان موجهاً للمواطن ابتلعته السوق بسرعة، وتحول إلى أرباح إضافية للمنعشين العقاريين.
وهنا تظهر معضلة أعمق من مجرد ارتفاع الأسعار: هل نحن أمام اقتصاد سوق حقيقي؟ أم أمام سوق يتم فيه “تأميم الخسائر” لفائدة الشركات، بينما تُخصخص الأرباح لفائدة لوبيات محددة؟
المواطن المغربي اليوم لا يغضب فقط بسبب الغلاء، بل بسبب الإحساس بأن المال العمومي لم يعد يؤدي وظيفته الاجتماعية. فحين تتحول الضرائب التي يدفعها الشعب إلى دعم دائم للشركات دون مراقبة حقيقية للأسعار وهوامش الربح، يصبح الدعم مجرد عملية نقل للمال من جيوب الفقراء إلى حسابات الكبار.
المشكلة ليست في فكرة الدعم بحد ذاتها، بل في غياب الشفافية والرقابة وربط الدعم بالنتائج. ففي أغلب دول العالم، حين تستفيد الشركات من الإعفاءات والدعم، تكون ملزمة بتخفيض الأسعار أو حماية المستهلك أو الحفاظ على التوازن في السوق. أما عندنا، فيبدو أن الدعم يتحول أحياناً إلى “شيك مفتوح” بلا شروط واضحة ولا محاسبة فعلية.
لهذا لم يعد السؤال اليوم: لماذا الأسعار مرتفعة؟
بل أصبح: من المستفيد من بقائها مرتفعة رغم كل الدعم؟
وحين يلاحظ المواطن أن عدداً من المستفيدين من هذه الامتيازات تجمعهم علاقات نفوذ أو مصالح سياسية أو اقتصادية متشابكة، فإن أزمة الثقة تصبح أخطر من أزمة الأسعار نفسها.
فالاقتصاد لا ينهار فقط بسبب قلة الموارد، بل أيضاً حين يشعر الناس أن قواعد اللعبة غير عادلة، وأن السوق لا يشتغل بمنطق المنافسة، بل بمنطق القرب من مراكز القرار.
وفي النهاية، يبقى المواطن المغربي هو الحلقة الأضعف:
يدفع الضرائب، ويمول الدعم، ثم يشتري بأغلى الأسعار.
وكأن دوره الوحيد داخل هذه المعادلة هو تمويل الأرباح… والصمت.




