العالم

الجزائر بين شعارات السيادة وفواتير التحكيم الدولي


لا تُقاس قوة الدول بعدد الشعارات التي ترفعها عن السيادة والاستقلال الاقتصادي، بل بقدرتها الفعلية على حماية مالها العام، وتحصين قراراتها، ومحاسبة من يخطئ باسمها. ومن هذا المنظور، لا تبدو قضايا التحكيم الدولي التي تخسرها الجزائر مجرد نزاعات قانونية عابرة، بل مؤشرات عميقة على خلل بنيوي في طريقة الحكم وإدارة الدولة.
أحدث مثال على ذلك الحكم التحكيمي الدولي الصادر لصالح شركة بريطانية حديثة النشأة، على خلفية نزاع مع سوناطراك بعد إنهاء عقد تقاسم الإنتاج بحقل عين تسيلا. القضية، بعيدًا عن تفاصيلها التقنية، تختصر المعضلة كاملة: قرار سيادي يُتخذ دون شرح، نزاع يُدار في صمت، ثم خسارة قانونية بتعويض ضخم، تُرحّل كلفته مباشرة إلى الخزينة العامة، دون مساءلة سياسية أو إدارية.
في الأنظمة التي تحترم منطق المؤسسات، يُعد الوصول إلى التحكيم الدولي إخفاقًا مركبًا: فشلًا في التقدير القانوني، وفشلًا في إدارة المخاطر، وفشلًا في التفاوض، وأحيانًا فشلًا سياسيًا يستدعي المساءلة. أما في الحالة الجزائرية، فقد تحول التحكيم الدولي إلى مسار شبه عادي، وكأن الخسارة قدر محتوم لا يستوجب تفسيرًا ولا محاسبة.
المفارقة الصارخة أن الدولة التي لا تتوقف عن الحديث عن “السيادة الاقتصادية” هي نفسها التي تفرغ هذا المفهوم من مضمونه عبر قرارات مرتجلة، غير محصنة قانونيًا، تُتخذ داخل دوائر مغلقة، دون شفافية، ودون تقييم مسبق لتبعاتها الدولية. فقرار فسخ عقد بمئات الملايين، مثلما حدث في ملف عين تسيلا، لا يُعامل كقرار تقني فحسب، بل كرهان قانوني وسياسي عالي الكلفة، وهو ما تجاهلته منظومة الحكم.
التحكيم الدولي، في جوهره، لا يعاقب الدول لأنها قوية أو “متمردة”، بل لأنه يكشف هشاشتها حين تغيب الدقة والاتساق في القرارات. فالقانون الدولي للاستثمار لا يعترف بالشعارات، بل بالمساطر، ولا يزن النوايا، بل الوثائق. وعندما لا تُبنى ملفات الفسخ على مسار إنذارات وتسويات ومحاولات تفاوض موثقة، تصبح الهزيمة مسألة وقت لا أكثر.
الأخطر من الخسارة المالية هو طريقة تعامل النظام السياسي معها. فلا تقارير تُنشر حول حيثيات القضية، ولا تفسير يُقدَّم للرأي العام حول من أخطأ في التقدير، ولا لجان برلمانية فاعلة تفتح النقاش، ولا مسؤول واحد يتحمل تبعات القرار. الصمت هنا ليس صدفة، بل أسلوب حكم.
وفي سياق سياسي مثقل بتاريخ طويل من الفساد البنيوي داخل قطاع الطاقة، يصبح غياب الشفافية سببًا كافيًا لتآكل الثقة. فحين تكون الشركة الوطنية طرفًا في نزاعات متكررة، وتُدار ملفات استراتيجية بعقلية مغلقة، لا يعود الشك فعلًا عدائيًا، بل رد فعل منطقي على انسداد قنوات الرقابة.
كما أن طبيعة الاقتصاد الريعي تجعل المؤسسات الكبرى، مثل سوناطراك، عرضة للتسيير السياسي أكثر من التسيير المهني. وحين يُدار هذا النوع من المؤسسات بمنطق الولاء والتعليمات لا بمنطق الحوكمة والمساءلة، تتحول من رافعة سيادة إلى عبء قانوني يستنزف المال العام ويضرب صورة الدولة في الخارج.
قضية عين تسيلا ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من النزيف الصامت. نزيف لا يُقاس فقط بمئات الملايين من الدولارات، بل بتآكل المصداقية، وبترسيخ صورة بلد غير قابل للتنبؤ في أعين الشركاء والمستثمرين. والمستثمر، في النهاية، لا يخاف من القوانين الصارمة، بل من القرارات غير المحسوبة.
المشكلة الحقيقية ليست في خسارة قضية بعينها، بل في تحويل الخسارة إلى نمط حكم، وإلى كلفة سياسية لا يتحملها من اتخذ القرار، بل المواطن الذي يُطلب منه دائمًا الصبر باسم الوطنية. فكل تعويض دولي يُدفع هو اقتطاع مباشر من فرص التنمية، ومن صورة الدولة، ومن معنى السيادة نفسه.
الدول لا تُدار بالخطابات، بل بالمؤسسات. ولا تُقاس هيبتها بحدة الشعارات، بل بقدرتها على تصحيح أخطائها ومحاسبة مسؤوليها. وفي كل مرة تخسر فيها الجزائر قضية تحكيم دولي دون شرح أو مساءلة، فإنها لا تخسر مالًا فقط، بل تخسر جزءًا من قدرتها على إقناع شعبها بأنها دولة تُحكم بالقانون لا بالأوامر.
في النهاية، التحكيم الدولي ليس خصم الجزائر الحقيقي، بل مرآتها. مرآة تعكس أزمة حكم قبل أن تعكس نزاعًا قانونيًا، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل السيادة التي تُرفع كشعار تُمارَس فعلاً، أم تُدفع فواتيرها تباعًا من جيوب المواطنين؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى