
لم تكن القضية مجرد خطأ إداري عابر، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لمعنى الأمانة داخل مرفق يفترض فيه حماية القانون قبل كل شيء. فقد أسدلت غرفة مكافحة غسل الأموال بالمحكمة الابتدائية بـفاس الستار على واحدة من القضايا التي هزّت الرأي العام المحلي، بعدما أدانت عنصرين من الشرطة يشتغلان بولاية أمن المدينة، على خلفية تورطهما في اختلاس أموال عمومية متحصلة من عائدات مخالفات السير.
الأحكام جاءت واضحة وحاسمة: سنتان حبسا نافذا لكل واحد منهما، مع سنة موقوفة التنفيذ، إلى جانب مصادرة الممتلكات العقارية والمنقولة لفائدة الدولة، وحجز الحسابات البنكية وإيداعها بالخزينة العامة للمملكة. عقوبات لا تقف عند حدود السجن، بل تمتد إلى تجريد المدانين من كل ما ترتب عن الفعل الجرمي، في إشارة قوية إلى أن العبث بالمال العام لن يمر دون كلفة ثقيلة.
فصول هذه القضية تعود إلى فبراير 2024، حين كشفت عملية افتحاص إداري ومالي باشرتها المديرية العامة للأمن الوطني عن اختلالات جسيمة في تدبير الغرامات التصالحية الجزافية. ما بدا في البداية شكوكا تقنية، سرعان ما تحول إلى معطيات دقيقة دفعت إلى إحالة الملف على الفرقة الجهوية للشرطة القضائية، بالتوازي مع توقيف المعنيين مؤقتا عن العمل في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات.
الأبحاث التي أشرفت عليها النيابة العامة المختصة، أماطت اللثام عن تلاعب في وصولات المخالفات الطرقية، واستعمالها كغطاء لتحويل مبالغ مالية إلى حسابات وممتلكات شخصية. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بخسارة مالية، بل بضرب مباشر لثقة المواطن في مؤسسة يفترض أنها حامية للحقوق ومطبقة للقانون.
غير أن الوجه الآخر للقضية يحمل رسالة مختلفة. فكون الاختلالات كُشفت عبر افتحاص داخلي، وجرى التعامل معها عبر المساطر القانونية إلى أن صدر الحكم، يعكس دينامية مؤسساتية تسعى إلى تطهير ذاتها من أي انحرافات. وهي إشارة مهمة إلى أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لم يعد شعارًا للاستهلاك، بل ممارسة فعلية مهما كانت صفة المتورطين.
إن حماية المال العام ليست مسؤولية القضاء وحده، بل هي منظومة متكاملة تبدأ بالرقابة الداخلية، وتمر عبر التحقيق النزيه، وتنتهي بحكم قضائي عادل. وقضية فاس اليوم تقدم نموذجًا واضحًا على أن الدولة، حين تتوفر الإرادة، قادرة على تصحيح أعطابها من الداخل.
في النهاية، قد يسقط أفراد في اختبار الأمانة، لكن الأهم أن تبقى المؤسسة قادرة على تصحيح المسار، وأن يظل القانون فوق الجميع، بلا استثناء ولا حصانة.




