المغرب

المحامون يعودون إلى المحاكم بعد أربعة أشهر من الاحتجاج.. هل تبدأ مرحلة جديدة؟

بعد أشهر من الاحتجاج والتوقف عن عدد من الخدمات المهنية، عادت هيئة الدفاع في مختلف أنحاء المغرب إلى قاعات المحاكم، في خطوة تنهي مؤقتا حالة الجمود التي طبعت العلاقة بين المحامين والسلطات الحكومية بسبب مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة.

واستأنف المحامون، أمس الأربعاء 7 أكتوبر، نشاطهم المهني تنفيذا لقرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في وقت لا تزال فيه الملفات التي فجرت هذا الحراك قائمة، وعلى رأسها استقلالية المهنة وحدود تدخل المشرع في تنظيمها وطريقة تدبير المسار التشريعي للقانون.

واللافت أن العودة لم تأت بعد إعلان انتهاء الخلاف، بل جاءت في سياق سياسي جديد فرضته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة وتغير المشهد الحكومي والمؤسساتي. وهو ما يجعل استئناف العمل أقرب إلى إعادة ترتيب للأوراق منه إلى إعلان عن طي صفحة الاحتجاج.

فالمحامون يعودون إلى المحاكم، لكنهم لا يعودون بالضرورة إلى ما قبل مرحلة الاحتجاج. فقد أظهرت الأشهر الماضية أن الخلاف لم يكن مرتبطا بمادة قانونية واحدة، وإنما اتسع ليشمل تصورات أعمق حول طبيعة المهنة وحدود استقلالها وكيفية تنظيم علاقتها بالمؤسسات القضائية والتنفيذية والتشريعية.

وكانت الحركة الاحتجاجية قد شملت أشكالا متعددة، من مقاطعة الجلسات إلى التوقف عن بعض الخدمات المهنية وتعليق خدمات المساعدة القضائية، وهو ما جعل تداعياتها تتجاوز الإطار الداخلي للمهنة لتصل إلى المتقاضين وسير عدد من الملفات القضائية.

ومن هذه الزاوية، فإن عودة المحامين إلى ممارسة مهامهم تحمل بعدين متلازمين: الأول يتعلق بضرورة استمرار المرفق القضائي وتفادي انعكاس الخلاف المهني على حقوق المواطنين، والثاني يرتبط بتمسك أصحاب المهنة بمطالبهم وعدم اعتبار العودة تنازلا عن المواقف التي دافعوا عنها خلال فترة الاحتجاج.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: ماذا بعد العودة؟

فإذا كانت ردهات المحاكم ستستعيد حضور المحامين، فإن النقاش حول القانون لم ينته بالضرورة. بل إن المرحلة الجديدة قد تضع الحكومة والمؤسسات المهنية أمام فرصة لإعادة بناء الحوار على أسس مختلفة، خصوصا أن تغيير السياق السياسي قد يتيح مراجعة عدد من نقاط الخلاف التي ظلت عالقة خلال المرحلة السابقة.

المطلوب الآن ليس فقط إنهاء حالة التوتر، وإنما البحث عن صيغة تضمن تنظيم المهنة دون المساس بجوهر استقلاليتها، وتوفر في الوقت نفسه إطارا قانونيا واضحا يحدد المسؤوليات والحقوق ويستجيب للتحولات التي تعرفها العدالة ومهنة المحاماة.

فالاحتجاج الطويل أثبت أن تمرير القوانين المنظمة للمهن الحساسة لا يتعلق فقط بالمسطرة التشريعية، وإنما يحتاج أيضا إلى قدر كبير من التشاور مع المعنيين بها، لأن أي نص قانوني يفقد جزءا من فعاليته عندما يتحول إلى مصدر دائم للصدام بين الدولة والمهنيين.

وبينما عاد المحامون إلى مكاتبهم وقاعات الجلسات، بقي الملف السياسي والتشريعي مفتوحا. وقد تكون هذه العودة فرصة لانتقال المواجهة من منطق الشارع والاحتجاج إلى منطق الحوار والتفاوض والمؤسسات.

لكن إذا فشل الحوار من جديد، فإن تجربة الأشهر الماضية ستظل حاضرة، وستبقى إمكانية العودة إلى الأشكال الاحتجاجية قائمة، وفق ما ستقرره الهيئات المهنية.

وهكذا، فإن المشهد الحالي لا يبدو نهاية للقضية بقدر ما يمثل بداية فصل جديد منها: المحامون عادوا إلى المحاكم، لكن سؤال استقلالية المهنة والقانون الذي ينظمها ما يزال ينتظر جوابا سياسيا وتشريعيا واضحا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى