العالم

الجامعة التركية بين العلمانية الصلبة وعودة التوازن المؤجل


لأول مرة منذ ما يقارب قرنًا من الزمن، وفي خطوة تحمل دلالات رمزية وسياسية عميقة، أعلن مجلس التعليم العالي في تركيا توجيهًا جديدًا يقضي بضرورة مراعاة مواعيد صلاة الجمعة عند تنظيم الحصص الدراسية والامتحانات وساعات العمل داخل الجامعات، بما يضمن عدم المساس بحرية العبادة، ويتيح للطلبة والأطر الإدارية والأكاديمية أداء شعائرهم الدينية دون الإخلال بالسير العادي للعملية التعليمية. هذا القرار، الذي يأتي بعد عقود من إلغاء عطلة يوم الجمعة وتعويضها بيوم الأحد في إطار النموذج العلماني الصارم الذي تأسست عليه الجمهورية، لا يمكن قراءته كإجراء إداري معزول، بل كتحول هادئ في فلسفة تدبير المجال العام، يعكس تراجعًا تدريجيًا عن المقاربة الإقصائية التي كانت ترى في الدين عنصرًا يجب تحييده بالكامل عن الفضاءات العمومية، بما فيها الجامعة. فاللافت في هذا التوجه أنه لا يطرح نفسه كنكوص عن التعليم أو مساس بمبدأ انتظام الدراسة، بل كصيغة توفيقية تحاول الجمع بين مقتضيات الدولة الحديثة واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية للمجتمع، في مشهد يوحي بأن تركيا، بعد مسار طويل من القطيعة القسرية مع مكون أساسي من هويتها، بدأت تعود تدريجيًا إلى توازنها الطبيعي، حيث لا تكون العلمانية أداة قمع للوجدان الجماعي، ولا تتحول الهوية الدينية إلى عائق أمام التقدم والمعرفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى