المغرب

النظرية العامة في الزيادة… من فائض القيمة إلى فائض الفاتورة


يبدو أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد قرارات حكومية متفرقة، بل ميلاد مدرسة اقتصادية جديدة يمكن أن تُدرّس مستقبلاً تحت عنوان: “اقتصاد الزيادة التطبيقية”.
في هذه المدرسة، لا يتم قياس النمو بالناتج الداخلي الخام، بل بعدد المرات التي يسمع فيها المواطن كلمة “زيد” خلال الأسبوع. وكلما ارتفع المؤشر، اعتُبر الاقتصاد في حالة انتعاش لفظي على الأقل.
المفارقة أن هذه النظرية نجحت حيث فشلت نظريات كبرى. فـ كارل ماركس كان يتحدث عن “فائض القيمة” المستخرج من جهد العامل، لكن يبدو أننا تجاوزنا هذه المرحلة إلى ما يمكن تسميته: “فائض الأداء”، حيث لا حاجة للإنتاج أصلًا، يكفي رفع الأسعار لاستخراج القيمة مباشرة من جيب المواطن، دون وساطة المصنع أو العامل. تبسيط مذهل في مسار الاستغلال!
أما الرأسمالية، التي بشّرت بالسوق الحرة والمنافسة، فقد أصبحت هنا أكثر شاعرية: السوق حرّة فعلًا… حرّة في الارتفاع فقط. المنافسة موجودة كذلك، لكنها بين الأسعار: أيها يرتفع أسرع. أما المستهلك، فله كامل الحرية في التأمل الفلسفي أمام الرفوف.
في نسختها الإمبريالية، يمكن قراءة الزيادة كنوع من التضامن الدولي غير المعلن: بما أن الأسعار مرتفعة عالميًا، لا يليق بنا أن نظل استثناءً. يجب أن نشعر بالانتماء إلى هذا العالم، ولو عبر فواتير الكهرباء والمحروقات. إنها عولمة الألم، إن صح التعبير.
وإذا انتقلنا إلى الاقتصاد الإسلامي، سنجد أنفسنا أمام اجتهاد غير مسبوق: رفع الأسعار كاختبار جماعي للصبر، وتوسيع مفهوم “البركة” ليشمل القدرة على التكيّف مع القليل. هنا، لا تُقاس القوة الشرائية بما تشتريه، بل بمدى تحمّلك لما لا تستطيع شراءه.
الطريف أن كل هذه النظريات، رغم اختلافها، تلتقي في نقطة واحدة: المواطن دائمًا في موقع التجربة. كأنه فأر مختبر في مشروع ضخم عنوانه: “إلى أي حد يمكن رفع كل شيء دون أن يحدث شيء؟”
وفي خضم هذا كله، يظل سؤال بسيط يرفض الارتفاع:
إذا كانت كل الأشياء قابلة للزيادة… لماذا لا تُجرَّب الزيادة مرة واحدة في الاتجاه المعاكس؟
لكن يبدو أن هذا السؤال خارج المقرر الدراسي لمدرسة “اقتصاد الزيادة”، حيث القاعدة الذهبية واضحة:
الزيادة حق مكتسب… لكن في اتجاه واحد فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى