عندما تتحول “حرية الأسعار” إلى حرية سلخ المواطن

في كل موسم عيد، تخرج الحكومة علينا بنفس الأسطوانة المشروخة: “حماية القدرة الشرائية”، “محاربة المضاربة”، “ضمان شفافية الأسواق”، وكأن المواطن المغربي يعيش في سويسرا اقتصادية لا في سوق مفتوح على الجشع والفوضى و”الله يدير تاويل الخير”.
هذه السنة أيضا، قررت الحكومة أن تلبس جلباب المنقذ، فأعلنت عن إجراءات لتنظيم بيع أضاحي العيد: منع المضاربة، مراقبة الأسواق، التصريح بالأضاحي، حظر الاحتكار… لائحة طويلة من الكلمات الثقيلة التي تبدو في البلاغات الرسمية وكأنها إعلان حرب على “شناقة العيد”، لكنها في الواقع لا تتجاوز كونها حفنة رماد تُرمى في عيون المواطنين الغارقين أصلا في لهيب الغلاء.
لأن السؤال الحقيقي ليس: كيف نمنع المضاربة؟
بل: من الذي صنع أصلا هذا الوحش الاقتصادي الذي اسمه الغلاء؟
حين ارتفع ثمن المحروقات بشكل جنوني، قيل للمغاربة إن السوق حرة.
وحين ارتفعت أسعار الخضر واللحوم والزيوت، قيل لهم إن العرض والطلب هو من يتحكم.
وحين صار المواطن يشتري الطماطم بالتقسيط المعنوي، قيل له: “اصبر، الأزمة عالمية”.
لكن فجأة، عندما اقترب عيد الأضحى، اكتشفت الحكومة أن هناك شيئا اسمه “تنظيم الأسعار”!
يا سلام… إذن الدولة تستطيع التدخل عندما تريد؟
أم أن “حرية السوق” تُستعمل فقط حين يكون جيب المواطن هو الضحية؟
الحكومة تتحدث عن المنافسة الحرة وكأننا أمام سوق مثالية، بينما الواقع أن المواطن أصبح الحلقة الأضعف بين كساب مسحوق، ووسطاء يربحون بلا رحمة، وسماسرة موسميين، وشركات أعلاف ومحروقات تلتهم كل شيء قبل أن يصل “الحولي” إلى الزريبة.
ثم لنفترض جدلا أن هذه الإجراءات ستُطبق فعلا، هل ستُخفض الأسعار؟
هل سيصبح الكبش في متناول الموظف البسيط أو العامل اليومي أو المتقاعد؟
طبعا لا.
لأن أصل المشكل ليس في “المضارب” الصغير الذي يبيع الخروف في السوق، بل في نموذج اقتصادي كامل قائم على رفع الأسعار وترك المواطن يواجه مصيره وحيدا تحت شعار: “السوق ينظم نفسه بنفسه”.
والمثير للسخرية أن نفس الحكومة التي تتحدث اليوم عن حماية المستهلك، هي نفسها التي كانت تشرح للمغاربة قبل أشهر أن ارتفاع الأسعار أمر طبيعي، وأن الأرباح الفاحشة في المحروقات مجرد “دينامية اقتصادية”.
المغربي لم يعد يطلب المعجزات.
لا يريد كبشا يطير، ولا أضحية مدعومة من كوكب آخر.
كل ما يريده هو قليل من المنطق:
إذا كانت الحكومة قادرة على منع “التلاعب بالأسعار”، فلماذا لا تحدد سقفا معقولا للأثمان يحفظ كرامة المواطن والكساب معا؟
أم أن التدخل في السوق يصبح “مقدسا” فقط حين يتعلق الأمر بحماية الأرباح، بينما يصبح “ممنوعا” عندما يتعلق الأمر بحماية القدرة الشرائية؟
المواطن المغربي فهم اللعبة جيدا.
فمن “سلخ جد بونا فالمازوط”، لن يتحول فجأة إلى جمعية للرفق بالمستهلك في عيد الأضحى.
وفي النهاية، سيبقى المواطن يتابع البلاغات الرسمية كما يتابع نشرات الطقس:
كلام كثير عن الأجواء، لكن الحرارة دائما مرتفعة.



