المغرب

حين يكتشف حزب اخنوش أن الإعلام قادر أيضا على الانتقاد

لم يكن متوقعا أن تمر شكاية حزب التجمع الوطني للأحرار إلى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، على خلفية تصريحات منشط إذاعي تحدث عن الحزب، من دون أن تعيد إلى الواجهة سؤالا أوسع من مضمون الشكاية نفسها: كيف تنظر الأحزاب التي توجد في موقع المسؤولية إلى الإعلام عندما يكون الخطاب موجها إليها، وليس لصالحها؟

الحزب تقدم فعلا بشكاية إلى الهاكا بشأن تصريحات أدلى بها منشط برنامج رياضي يوم 14 شتنبر، معتبرا أنها تجاوزت حدود النقد المشروع وتضمنت، بحسب تقديره، إيحاءات بالتهديد والعنف، كما احتفظ بحقه في اللجوء إلى القضاء.

ومن حق أي حزب سياسي أن يسلك المساطر المؤسساتية عندما يعتبر أن وسيلة إعلامية تجاوزت القانون أو قواعد المهنة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاحتكام إلى المؤسسات انتقائيا، أو عندما يتعامل الفاعل السياسي مع النقد باعتباره مقبولا فقط ما دام لا يزعجه.

فخلال السنوات الخمس الماضية، لم يكن النقاش حول علاقة حكومة عزيز أخنوش بالإعلام غائبا. بل ظهرت تقارير ومقالات صحفية اعتبرت أن تغطية الحكومة اتسمت في فترات معينة بحضور قوي للخطاب الإيجابي مقابل ضعف المساحات المخصصة للانتقاد، في حين ظل الحزب نفسه يؤكد أن الحكومة واجهت انتقادات واسعة ومتواصلة من المعارضة وخصومها السياسيين.

وهنا تكمن المفارقة السياسية التي تستحق النقاش: عندما كان الإعلام يسلط الضوء على برامج الحكومة ومشاريعها، ويمنحها مساحة واسعة للحديث عن حصيلتها، لم يكن اللجوء إلى الهاكا هو العنوان الأبرز في علاقة الحزب بالإعلام. أما عندما أصبح أحد المنشطين يوجه كلاما نقديا إلى الحزب، وجدنا الشكاية حاضرة بقوة.

ليس المطلوب، بالطبع، أن يتحول الإعلام إلى منصة للإهانة أو التحريض أو التهديد. لكن النقد السياسي ليس امتيازا تمنحه الأحزاب للإعلام متى شاءت وتسحبه متى انزعجت. والحزب الذي اختار ممارسة السياسة وتولي مسؤولية تدبير الحكومة، ثم يخوض الانتخابات طالبا ثقة المواطنين، عليه أن يكون مستعدا لسماع الأسئلة الصعبة، والانتقادات القاسية، وحتى الخطاب الذي لا يروق له.

المسألة إذن لا تتعلق بالدفاع عن منشط إذاعي أو مهاجمة حزب سياسي بقدر ما تتعلق بمبدأ أبسط: الإعلام الذي يصلح للمدح عندما يكون الكلام في مصلحة الحزب، يجب أن يظل مقبولا أيضا عندما يتحول الميكروفون إلى أداة للسؤال والنقد والمساءلة.

أما إذا كانت التصريحات قد تجاوزت فعلا الحدود المهنية أو القانونية، فالهاكا موجودة، والقضاء موجود، والمؤسسات هي التي تفصل في ذلك. لكن لا ينبغي أن تتحول الشكايات إلى رسالة ضمنية مفادها أن هناك خطوطا حمراء جديدة تبدأ بمجرد أن يصبح السياسي موضوعا للنقد.

بعد خمس سنوات من تدبير الشأن الحكومي، لم يعد حزب التجمع الوطني للأحرار مجرد حزب انتخابي عادي؛ بل أصبح طرفا رئيسيا في الحصيلة التي يناقشها المغاربة، وبالتالي فإن حقه في الرد والدفاع عن نفسه لا خلاف عليه، كما أن حق الإعلام والمواطن في مساءلته وانتقاده لا ينبغي أن يكون محل تفاوض.

فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست غرفة صدى يسمع فيها السياسي صوته فقط، والإعلام ليس جهاز علاقات عامة لأي حزب. وبين النقد والتجاوز توجد مؤسسات يفترض أن تفصل في الحدود، لا أن يحددها السياسي عندما تعجبه التغطية ويعترض عليها عندما تصبح غير مريحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى