فاس.. لوائح الإنعاش تفتح باب النزاهة وتضع الأحرار والبام والاستقلال في مواجهة الأسئلة الصعبة

في فاس، يبدو أن بعض الملفات اختارت أن تخرج من الغرف المغلقة في الوقت الذي تستعد فيه المدينة لموسم سياسي وانتخابي ساخن، وهذه المرة عبر لوائح متداولة للمستفيدين من بطائق الإنعاش، وهي لوائح، إن صحت المعطيات المرتبطة بها، قادرة على تحويل نقاش انتخابي عادي إلى واحد من أكثر الملفات إحراجا للفاعلين السياسيين محليا، خصوصا مع تداول أسماء وارتباطات تطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير الاستفادة والجهات التي تقف وراء توزيع هذه البطائق.
القصة لا تبدو مجرد لائحة إدارية عابرة، لأن المواطن الفاسي يريد أن يعرف ببساطة من استفاد، ولماذا استفاد، وهل يستوفي فعلا شروط الاستفادة، وهل يؤدي عملا حقيقيا مقابل ما يحصل عليه، أم أن هناك أسماء تظهر في الوثائق أكثر مما تظهر في مواقع العمل؟ وهنا تبدأ الحكاية في أخذ منحى ساخر، لأن الحديث عن «الإنعاش» يفترض وجود أشخاص يتم إنعاشهم اجتماعيا واقتصاديا، وليس إنعاش لوائح انتخابية أو شبكات سياسية.
والأكثر إثارة أن الجدل المتداول لا يضع حزبا واحدا في الواجهة، بل يطال أسماء مرتبطة بالمشهد المحلي للأحرار والبام والاستقلال، وهي أحزاب تتنافس فيما بينها على المواقع والتمثيلية والنفوذ، لكنها تجد نفسها أمام سؤال واحد لا يمكن الهروب منه بالشعارات: هل تدبير بطائق الإنعاش يتم وفق معايير واضحة وشفافة، أم أن للسياسة حسابات أخرى لا تظهر في الوثائق الرسمية؟
طبعا، لا يمكن تحويل مجرد ورود اسم في لائحة إلى إدانة، ولا يجوز التعامل مع كل مستفيد باعتباره شبحا أو مستفيدا بغير حق، لأن ذلك يحتاج إلى تحقق ووثائق ومعطيات ميدانية. لكن في المقابل، فإن مجرد تداول لوائح بهذا الحجم يكفي لفتح تحقيق جدي يجيب عن الأسئلة بدل ترك المجال للشائعات والتأويلات، خصوصا أن المال العمومي لا يحتمل الغموض، وأن بطاقة الإنعاش ليست امتيازا حزبيا ولا مكافأة انتخابية، بل يفترض أن تكون موجهة لمن يستحقها وفق ضوابط واضحة.
أما إذا كان الحديث عن «الأشباح» مجرد مبالغة، فالأمر في غاية البساطة: افتحوا اللوائح، تحققوا من أصحابها، انزلوا إلى أماكن العمل، راقبوا الحضور، وتأكدوا من أن كل شخص يتقاضى مستحقاته يؤدي فعلا المهمة المنوطة به. عندها ستسقط كل الإشاعات من تلقاء نفسها، ولن تحتاج الأحزاب إلى بيانات طويلة لتبرئة نفسها، لأن الحقيقة ستكون موجودة في الميدان.
لكن إذا كشفت المراقبة عن أسماء لا وجود لها في مواقع العمل، أو عن مستفيدين لا تربطهم بالإنعاش سوى بطاقة في الجيب واسم في اللائحة، فهنا لن تعود القضية مجرد مادة للسخرية السياسية، بل ستصبح ملفا يستحق المساءلة، لأن السؤال حينها لن يكون فقط «من استفاد؟»، وإنما «من سمح بالاستفادة؟ ومن راقب؟ ومن وقع؟ ومن استفاد سياسيا من هذه الشبكة؟».
وهنا تكمن المفارقة التي تجعل الملف ساخرا بقدر ما هو جدي: الأحزاب تتحدث في خطاباتها عن محاربة الريع وربط المسؤولية بالمحاسبة وتكافؤ الفرص، بينما المواطن يريد أن يعرف إن كانت هذه الشعارات تشتغل أيضا عندما يتعلق الأمر بلوائح الإنعاش، أم أنها تصبح مجرد عبارات جميلة تصلح للمنصات والميكروفونات، ثم تختفي عندما تبدأ الأسئلة الحقيقية.
فاس لا تحتاج اليوم إلى معركة بيانات بين الأحزاب، ولا إلى تبادل الاتهامات، ولا إلى محاولة تحويل الموضوع إلى تصفية حسابات انتخابية. ما تحتاجه هو شيء أبسط بكثير: الشفافية. فإذا كانت اللوائح سليمة، فلتنشر المعطيات التي تسمح بالتأكد من ذلك، وإذا كانت هناك اختلالات، فلتتحمل كل جهة مسؤوليتها، لأن المواطن الذي يراقب المشهد لم يعد مستعدا لقبول جواب من نوع «لا شيء يستدعي القلق» دون أن يرى ما يثبت ذلك.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر سخرية هو نفسه الأكثر جدية: هل بطائق الإنعاش مخصصة لإنعاش من يحتاجها فعلا، أم أن هناك من وجد فيها وسيلة لإنعاش الحضور السياسي والانتخابي؟ وإذا كانت هناك فعلا «أشباح» داخل هذه اللوائح، فالمطلوب ليس طردها بالتصريحات، وإنما استدعاؤها إلى الميدان، حيث لا تنفعها لا الألوان الحزبية ولا الشعارات الانتخابية، لأن الشبح الحقيقي الوحيد في تدبير المال العام هو ذلك المستفيد الذي لا يظهر إلا عندما يحين موعد الاستفادة.




