إغلاق مؤسسة للتعليم العتيق بالرشيدية… عندما يصبح العامل أول ضحايا القرارات الإدارية

لم يكن قرار إغلاق مؤسسة للتعليم العتيق بمدينة الرشيدية مجرد إجراء إداري عابر، بل خلف أوضاعًا اجتماعية وإنسانية صعبة في صفوف المستخدمين الذين وجدوا أنفسهم فجأة دون مورد رزق. فمعظمهم من أرباب الأسر، كانوا يعتمدون بشكل كلي على أجورهم الشهرية لتأمين احتياجات عائلاتهم من سكن وغذاء وتعليم وعلاج، قبل أن يتحول الاستقرار الذي عاشوه لسنوات إلى قلق يومي حول كيفية مواجهة أعباء الحياة.
وإذا كان هذا القرار قد أثار استياء واسعًا في الرشيدية، فإنه يعيد إلى الواجهة واقعًا يتكرر في أكثر من مدينة مغربية، حيث يدفع العاملون ثمن قرارات إدارية لا يشاركون في صناعتها، ولا تُقدم لهم في كثير من الأحيان مبررات واضحة أو حلول تحفظ حقوقهم وكرامتهم.
وليس هذا أول ملف يطرح علامات استفهام داخل القطاع الذي تشرف عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. فخلال السنة الماضية، تفاجأ عدد من مؤطري برامج محو الأمية في مختلف مدن المغرب بقرارات توقيفهم عن العمل دون سابق إشعار أو تعليل واضح. وعندما توجه عدد منهم إلى المصالح المختصة للاستفسار عن أسباب إنهاء مهامهم، كان الجواب يتكرر: “إنه قرار صادر عن الإدارة المركزية بالرباط.” وهو جواب لم يكن كافيًا لطمأنة المتضررين أو تفسير الأسباب الحقيقية لهذه القرارات.
إن أخطر ما في هذه الممارسات ليس فقط فقدان الوظيفة، بل فقدان الإحساس بالأمان المهني. فكيف يمكن لعامل أفنى سنوات من عمره في خدمة مؤسسة تربوية أو دينية أن يجد نفسه، في لحظة واحدة، خارج منظومة الشغل دون إنذار أو حوار أو بدائل تحفظ كرامته؟
إن الحق في العمل لا ينبغي أن يظل رهينًا بقرارات مفاجئة، كما أن أي إعادة هيكلة أو إغلاق لمؤسسة يجب أن يراعي البعد الاجتماعي والإنساني، وأن يضمن حقوق المستخدمين وفق ما يكفله القانون. فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المؤسسات التي تُفتح أو تُغلق، وإنما أيضًا بمدى احترام كرامة الإنسان وصون حقوقه.
إن ما حدث بمؤسسة التعليم العتيق بالرشيدية، وما سبقه من حالات مماثلة في مدن مغربية أخرى، يستدعي فتح نقاش مسؤول حول أوضاع العاملين في هذا القطاع، ووضع حد لسياسة القرارات المفاجئة التي تجعل العامل دائمًا الحلقة الأضعف، في وقت يفترض أن يكون احترام الحق في الشغل والاستقرار المهني من الثوابت التي لا تقبل التراجع.




