حين يتهم الغرب الاسلام باضطهاد المرأة: “مغاسل المجدلية “والعار الذي لا يروى

يقدم الغرب المعاصر نفسه بوصفه الحارس الكوني لحقوق المرأة، ويصدر خطابا اخلاقيا يدين الاسلام بوصفه دينا اضطهد النساء وقيد حرياتهن. غير ان هذا الادعاء، حين يفحص خارج الشعارات، يتهاوى امام وقائع تاريخية قريبة، لا تعود الى عصور مظلمة غابرة، بل الى القرن العشرين، داخل دول اوروبية حديثة، وبمباركة مؤسسات دينية ورسمية ومجتمعية. من بين اكثر هذه الوقائع فظاعة، تجربة مغاسل مريم المجدلية في ايرلندا، التي تعد شاهدا دامغا على ان اضطهاد المرأة لم يكن استثناء غربيا، بل ممارسة ممنهجة استمرت لعقود تحت غطاء الاخلاق والفضيلة.
بين عامي 1922 و1996، كانت هناك في ايرلندا مؤسسات تعرف باسم Magdalene Laundries، تديرها الكنيسة الكاثوليكية بزعم اعادة تاهيل النساء الساقطات. غير ان مصطلح السقوط لم يكن محددا بجريمة او فعل قانوني، بل خاضعا لاهواء المجتمع الذكوري وسلطته الاخلاقية. كانت الفتاة ترسل الى تلك المغاسل اذا كانت حاملا خارج الزواج، او ضحية اغتصاب، او جميلة وتعتبر فتنة للرجال، او يتيمة بلا حماية، او مصابة باعاقة ذهنية، او متمردة على عائلتها، او حتى متهمة بالمغازلة. باختصار، كان يكفي ان تصنف امرأة او فتاة على انها مزعجة او محرجة للمنظومة الاجتماعية حتى تختفي خلف جدران تلك المؤسسات.
كثيرات لم يدخلن هذه المغاسل طوعا. بعضهن اختطفن حرفيا من الشوارع على يد راهبات او كهنة، واخريات سلمتهن عائلاتهن للكنيسة تحت ذريعة الاصلاح المؤقت، ليصبح المؤقت سنوات، بل عقودا. الشرطة كانت تعيد الفتيات الهاربات، والاخصائيون الاجتماعيون كانوا يسلمون المراهقات الحوامل، والقضاء التزم الصمت. منذ اللحظة الاولى للدخول، تجرد الفتاة من اسمها وهويتها، يقص شعرها، تصادر ملابسها، وتمنح رقما وزيا موحدا. يقال لها انها خاطئة، وان وجودها هناك رحمة لا عقوبة.
داخل المغاسل، تحولت النساء الى عاملات بالسخرة. كن يعملن ما بين 12 و16 ساعة يوميا في مغاسل تجارية تخدم الفنادق والمستشفيات والجيش، دون اجر، في ظروف قاسية، مع صمت اجباري، ونظام عقوبات صارم. الانتهاك لم يكن جسديا فقط، بل نفسيا ممنهجا، قائما على تحطيم الكرامة الانسانية، واقناع المرأة بانها تستحق ما يحدث لها لانها غير طاهرة.
اما الفتيات الحوامل، فكان مصيرهن اشد قسوة. يحتجزن حتى الولادة، ثم ينتزع اطفالهن قسرا دون اي موافقة. يقال للامهات ان اطفالهن ماتوا، ويقال للاطفال لاحقا ان امهاتهم تخلوا عنهم. في الحقيقة، جرى بيع الاف الاطفال عبر شبكات تبن قسري، غالبا لعائلات كاثوليكية ثرية داخل ايرلندا وخارجها، خصوصا في الولايات المتحدة. وفي واحدة من اكثر القضايا صدمة، كشفت التحقيقات في دار بون سيكور للام والطفل بمدينة توم عن رفات 796 رضيعا وطفلا دفنوا دون شهادات وفاة او سجلات رسمية، في خزان صرف صحي، ما كشف حجم الاستهتار بحياة النساء والاطفال معا.

الاخطر في هذه القصة ليس فقط ما فعلته الكنيسة، بل تواطؤ المجتمع والدولة. الجميع كان يعلم: الشرطة، الحكومة، العائلات، الجيران. ومع ذلك استمر هذا النظام 74 عاما، لان معاقبة النساء الساقطات كانت، في نظر المجتمع، اهم من كرامتهن الانسانية. اغلق اخر مغسل سنة 1996، اي قبل اقل من جيل واحد فقط.
عندما بدات الناجيات في كسر الصمت مطلع الالفية الثالثة، فتحت التحقيقات، وكشفت السجلات، وظهرت المقابر الجماعية، وشهادات التعذيب النفسي والجسدي، والاعتداءات، وسنوات السجن التي فرضت على فتيات في سن الثالثة عشرة، ليخرجن في الاربعينيات وقد سرقت حياتهن بالكامل. في عام 2013، قدمت الحكومة الايرلندية اعتذارا رسميا، معترفة بالعار الجماعي وفشل الدولة والكنيسة. لكن الاعتذار لم يعد طفلا سرق، ولا عمرا ضاع، ولا صدمة زرعت في نفوس الاف النساء.
امام هذا التاريخ القريب والموثق، يصبح السؤال حتميا: باي حق اخلاقي يتهم الغرب الاسلام باضطهاد المرأة؟ الاسلام، نصا وتشريعا، لم يسجن النساء لانهن جميلات، ولم يعاقب ضحايا الاغتصاب، ولم ينزع الاطفال من امهاتهم باسم الطهارة. بل جاء ليحمل المجتمع مسؤولية حماية المرأة، لا معاقبتها، ويجرم القذف والاعتداء، ويمنح المرأة اهلية قانونية وكرامة انسانية واضحة. اما ما ينسب الى الاسلام من ممارسات قمعية، فهو في الغالب انتهاكات اجتماعية او سياسية تناقضه، بينما مغاسل المجدلية كانت ممارسة رسمية محمية دينيا وقانونيا داخل دولة اوروبية حديثة.
قصة مغاسل المجدلية ليست مجرد فصل مظلم من التاريخ الايرلندي، بل مرآة تكشف زيف الادعاء الاخلاقي حين ينفصل عن المحاسبة التاريخية. وهي تذكير صارخ بان اضطهاد المرأة لا يرتبط بدين بعينه، بل بمجتمع يحول الاخلاق الى اداة قمع، ويعاقب النساء على اجسادهن بدل ان يحميهن. وقبل ان يحاضر الغرب في الاسلام عن حقوق المرأة، عليه اولا ان يواجه بصدق هذا العار، الذي لم يحدث في زمن سحيق، بل في زمن ابائنا وامهاتنا.




