المغرب بين سؤال اللغة والاختيار الحضاري: العربية ليست عبئا بل رافعة سيادة

في خضم التحولات الثقافية والسياسية التي تعرفها مجتمعاتنا، يعود سؤال اللغة إلى الواجهة، لا باعتباره نقاشا معرفيا بريئا، بل كواجهة لصراع أعمق حول الهوية، والسيادة، والاختيارات الحضارية. ففي الوقت الذي ترتفع فيه أصوات محدودة داخل بلداننا تدعو صراحة أو مواربة إلى الانسلاخ من اللغة العربية بدعوى الانفتاح والحداثة، تقدم دول إفريقية ذات أغلبية مسلمة، مثل السينغال، نماذج مغايرة في التعاطي مع اللغة بوصفها ركيزة للتحرر لا عائقا للتقدم.
تفيد معطيات متداولة في الأوساط السياسية السينغالية بأن الدولة تتجه إلى تعزيز المكانة الرسمية للغة العربية في التعليم والإدارة والخدمات العمومية، باعتبارها لغة هوية جامعة، ولغة دين وثقافة، وليس مجرد تراث رمزي. كما ينتظر الإعلان عن مجلس أعلى يعنى بتعريب التعليم والإدارة، في إطار رؤية وطنية تسعى إلى فك الارتباط التدريجي مع الهيمنة اللغوية الموروثة عن الاستعمار الفرنسي.
هذه الخطوة، إن تم تنزيلها، تحمل دلالات عميقة تتجاوز الإطار اللغوي الضيق. فهي تعكس وعيا متزايدا لدى النخب الإفريقية بأن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل أداة سلطة، ومن دون امتلاكها لا يمكن الحديث عن استقلال حقيقي في القرار، ولا عن تنمية متجذرة في المجتمع.
في المقابل، يثير الجدل اللغوي في المغرب مفارقة لافتة. فبلد يمتلك رصيدا حضاريا ولغويا متنوعا، ويقر دستوريا بالتعدد الثقافي واللغوي، يجد نفسه أمام خطاب إقصائي جديد، لا يستهدف التنوع، بل يستهدف العربية تحديدا، باعتبارها لغة غير منتجة أو غير صالحة لمتطلبات العصر. وهو خطاب يتجاهل أن العربية كانت، تاريخيا، لغة علم وفلسفة وإدارة، وأن تراجعها لم يكن نتيجة قصور ذاتي، بل نتيجة سياسات لغوية مرتبكة، وتغول لغات أجنبية فرضت بمنطق الامتياز الاجتماعي لا بالكفاءة المعرفية.
إن الدفاع عن اللغة العربية في المغرب لا يعني التنكر للأمازيغية، ولا معاداة اللغات الأجنبية، بل يعني رفض تحويل التعدد إلى أداة لإضعاف أحد مكونات الهوية لصالح إرث استعماري ما زال يفرض نفسه في الإدارة والتعليم والاقتصاد. فالتنوع الحضاري الحقيقي لا يقوم على الإقصاء، بل على التكامل، والعربية في هذا السياق ليست ملكا لفئة أو تيار، بل لغة جامعة، ولغة القرآن والبيان، ووعاء الذاكرة المشتركة.
تجارب الدول التي اختارت استعادة لغاتها الوطنية تؤكد أن النهضة لا تستورد جاهزة، وأن التقدم لا يمر حتما عبر لغة المستعمر. بل إن بناء نموذج تنموي مستقل يفترض أولا امتلاك أدواته الرمزية والمعرفية، وفي مقدمتها اللغة.
من هذا المنطلق، فإن الرهان المغربي ليس في استنساخ التجربة السينغالية، بل في استخلاص دروسها: الجرأة في اتخاذ القرار اللغوي، والوضوح في ربط اللغة بالسيادة، والكف عن تقديم العربية كعبء تاريخي يجب التخلص منه. فالأمم التي تفرط في لغتها، تفرط عاجلا أو آجلا في قدرتها على إنتاج المعنى، وصياغة المستقبل.




