تمرير قانون المجلس الوطني للصحافة… صوت واحد يحسم معركة تنظيم المهنة

صادقت لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، اليوم الاثنين، على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في محطة تشريعية اتسمت بكثير من الجدل السياسي والمهني، بعدما حُسم التصويت بأغلبية ضئيلة لم تتجاوز صوتًا واحدًا.
النتيجة الرقمية للتصويت – ستة أصوات مؤيدة مقابل خمسة معارضة – عكست حجم الانقسام داخل اللجنة، ليس فقط بين الأغلبية والمعارضة، بل أيضًا داخل الحقل الإعلامي نفسه، الذي يتابع مسار هذا القانون بقلق متزايد منذ إحالته على البرلمان.
حكومة متمسكة بنصها… ومعارضة خارج دائرة التأثير
خلال مناقشة المشروع، اختارت الحكومة الدفاع الصارم عن الصيغة التي جاءت من مجلس النواب، حيث رفض وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، جميع التعديلات المقترحة، والتي بلغ عددها 139 تعديلًا، تقدمت بها فرق المعارضة إلى جانب الاتحاد العام للشغالين بالمغرب.
في المقابل، فضّلت فرق الأغلبية البرلمانية، إلى جانب فريق الاتحاد العام لمقاولات المغرب، عدم التقدم بأي تعديل، في خطوة فسّرها متابعون على أنها اصطفاف سياسي وتشريعي واضح خلف توجه الحكومة، وتزكية كاملة لمضمون المشروع دون نقاش جوهري حول فلسفته أو تداعياته.
جوهر الخلاف: الاستقلالية أم إعادة الضبط؟
النقاش الحقيقي لم يكن تقنيًا بقدر ما كان سياسيًا ومهنيًا، إذ تمحورت أبرز نقاط الخلاف حول طبيعة المجلس الوطني للصحافة:
هل هو إطار للتنظيم الذاتي المستقل للمهنة؟ أم أداة قانونية لإعادة ضبط الحقل الإعلامي وفق منطق جديد؟
الحكومة دافعت عن اختياراتها، سواء فيما يتعلق بطريقة انتخاب الصحافيين بالاقتراع الفردي المباشر، أو بتمثيلية الناشرين عبر آلية الانتداب، معتبرة أن هذه الصيغ أكثر “واقعية” وتضمن توازنًا داخل المجلس، خاصة في ظل تفاوت الإمكانيات بين المقاولات الصحفية.
في المقابل، رأت المعارضة أن هذه الاختيارات تُفرغ التنظيم الذاتي من مضمونه، وتفتح الباب أمام هيمنة الاعتبارات الاقتصادية والتنظيمية على حساب استقلالية الصحافيين وحريتهم في تدبير شؤونهم المهنية.
ديباجة غائبة ونقاش دستوري حاضر
ومن بين النقاط التي أثارت نقاشًا لافتًا، رفض الحكومة إدراج ديباجة لمشروع القانون، حيث برر الوزير ذلك بكون النص الحالي ليس إحداثًا جديدًا، بل إعادة تنظيم لمؤسسة قائمة، وهو ما اعتبرته المعارضة تبريرًا شكليًا يتجاهل أهمية الديباجة في تأطير الفلسفة العامة للقانون وربطه بالسياق الدستوري والحقوقي المتغير.
مهنة بين الإصلاح والتوجس
المعارضة حذرت من أن الصيغة الحالية للقانون قد تُحوّل المجلس الوطني للصحافة من فضاء مهني مستقل للدفاع عن أخلاقيات المهنة وحرية التعبير، إلى جهاز ذي طابع إداري يركّز على الضبط والعقاب أكثر من التطوير والحماية.
في المقابل، تؤكد الحكومة والأغلبية أن القانون يشكل لبنة أساسية لتحديث المنظومة الإعلامية الوطنية، وتصحيح الاختلالات التي أبانت عنها التجربة السابقة منذ 2018، مع التشديد على أن قوة المؤسسات لا تقاس بالأشخاص، بل بقدرتها على الاستمرار وضمان الحكامة.
إلى أين يتجه تنظيم الصحافة؟
بتمرير هذا المشروع داخل لجنة المستشارين، يكون قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة قد قطع خطوة حاسمة في مساره التشريعي، لكنه في الوقت ذاته فتح نقاشًا أوسع حول مستقبل الصحافة بالمغرب، وحدود التنظيم الذاتي، وعلاقة الدولة بالمجال الإعلامي في مرحلة تتسم بتحولات رقمية ومهنية عميقة.




