عبد السلام الخراز يكتب : القصة القرآنية والأسطورة

أقول في البداية إنه لا مجال للمقارنة بين القصة القرآنية والأسطورة، ونفي المقارنة لا يعني عدم وجود نقط تشابه وتقاطع، فأغلب الأساطير والقصص الإسرائلية التي تحدثت عنها سابقا، انطلقت من مفاهيم وأسماء وردت في القرآن الكريم، لكن القصة القرآنية لها أسلوبها الخاص، سواء في بدايتها المشوقة وأسلوبها الموجز البليغ ودقة ألفاظها، وأغراضها الرسالية والتربوية”. فالقصص القرآني في منهجه قائم على الحق والصدق، بينما الأساطير هي حكايات الشعوب، حكتها لنفسها في مرحلة من مراحل تطورها، حيث حاولت الإجابة عن أسئلة عديدة واجهت الإنسان، فأجاب بما وسعه من العلم ومن الخبر الصادق، أو غير الصادق، كما لا يزال الإنسان المعاصر يحاول أن يجيب عنها”[1]، هذه الإجابات المتعددة، نشأت عنها الأساطير ولعبت فيها الآلهة وأنصاف الآلهة أدوارا أساسية” فالأسطورة هي سجل أفعال الآلهة”[2]، إذن في الأساطير آلهة متعددة، أما في القصة القرآنية فالإله واحد أحد ” يحكم السماوات والأرض، ويُقرر بالسُنَنِ والقوانين العلمية مشيئة علمه وحكمته في كل شيء”[3]، كما أن الله تعالى في قصصه أثبت الرسالة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبين وحدة أديان الرسل وعاقبة المكذبين ونصره للمؤمنين وساق معجزاته في خلقه، ” وهكذا كان للقصص مكانته ووضعه في تحقيق الهداية لقوم مؤمنين”[4]، وقد عُني بالقصص القرآني عناية كبيرة، حيث وجدنا تآليف عديدة، قديمة وحديثة، ولكن بعض هذه القصص مُزجت بأخبار إسرائلية وهذا ما وجدناه في كتب التفسير عامة وتفسير الخازن بشكل خاص. ومن عناصر القصة القرآنية نجد: ( البطل)، ” فالبطل الحقيقي في قصص القرآن ليس إذن هو هذا الإنسان بذاته الذي تدور به أو من حوله أحداث الخبر… البطل هو القانون التاريخي المرتبط بعقيدة الإنسان وأخلاقه وسلوكه”[5]، فالبطل ليس داود عليه السلام، وإنما البطل هو الخير ونفس الأمر، فموسى عليه السلام ليس هو البطل وإنما هو انتصار الخير على الشر، أما الأسطورة، فأبطالها الآلهة، فالآلهة وراء كل شيء ” فالزراعة طقس أوحت به الآلهة… والنار علمتها الآلهة للبشر، والتعدين كذلك وكافة المهن، أوحى بها الآلهة المختصة لبني البشر”[6]. والبطل في الأسطورة ” ليس إنسانا معينا بالذات يعيش وسط صراع حددته ظروف بعينها، وإنما هو رمز أخرجته الجماعة ليخوض بدلا منها المعارك التي تعجز هي عن خوضها، وليحقق لها من الانتصارات على القوى الخارقة ما يحدث التكامل والتنفيس عند الجماعة كلها”[7]. أما قضية الرمز، فالبعض يرى أن الأسطورة حكايات يجب فك رموزها، وأن للأسطورة ” أربع مستويات للقراءة… من بينها المستوى الرمزي، ويتعلق الأمر هنا بالتعرف على الصور والرموز، وتتبع منطقية تطورها”[8]. فالقرن مثلا ” يرمز إلى فكرة الخصوبة … والماء والشجرة… إنما يتضمنان معاني رمزية عميقة، تمس وجود الإنسان وأسباب عيشه”[9]. أما الرمز في القصة القرآنية فإن فيها ما يتجاوز الفهم البشري ” فلا يدخل ذلك في نطاق الرمزية بمفهومها الحديث”[10]. والقصة القرآنية فيها من الرموز ما يجمع بين الإيحاء والوضوح ” إن القرآن الكريم جمع بين الإيحاء وبين الوضوح، وخاطب العقل والشعور معا، وبلغ في ذلك ما لا يستطيع أن يبلغه بشرا”[11]. أما عنصر (الخوارق) ففي القصة القرآنية ” هي من آيات قدرة الله الباهرة”[12]. أما بالنسبة للأسطورة فهناك ما يعرف ب” الشخصيات الخارقة”[13].
بعض الأساطير يحتل فيها الحوار حيزا كبيرا، وهو يبرز التفاعلات بين أبطال الحكاية وشخوصها. “أما الحوار أو التحاور في قصص القرآن الكريم، ليس…، مجرد أحاديث أفراد عن الهدى والضلال في نطاق رؤية الفرد كما هو في القصص التاريخي والأخبار، وليس هو هذه الصناعة للمواقف وفن تخليق الكلمات اللولبية… وإنما الحوار في قصص القرآن هو في ضوء الشمول الإلهي، وسنن الله الهادية، كلام أوصى الله به على لسان الأنبياء وغيرهم ليكون في الأخبار عما وقع منهم في مراحل الدعوات السابقة وعصورها… هو تقنين حصيلة الصدق في كل ما وقع منهم تقنينا شاملا، تصبح به لغة الحوار باللسان العربي المبين صدقا حيا.”[14].
وإذا كانت الأساطير قديما ” تفسر الخلق وأصول الدين والأخلاق والحاجات الاجتماعية… وتهدف إلى تفسير شيء ما في الطبيعة أو الحياة ( كنشوء الكون، الرعد…)”[15] فإن التفسير والتعليل والخلق كما يراه البعض ” ولأن تفسير الخلق والحياة والإنسان مستقر في حياة هذه الأمة منذ آدم على أن ( الله) هو خالق للسماوات والأرض، وهو خالق للإنسان ليبتليه بعلمه… يقول الله لمحمد صلى الله عليه وسلم عن علم العرب بأن الله هو خالق هذا الوجود”[16]. ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالارْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ))[17]، إذن فالعرب بإيمانها بالواحد الأحد لم تكن تفسر الخلق والحياة وتفسيرا أسطوريا، وهذا الأمر يحتاج إلى نظر في اعتقادي، ذلك ما سأبيِّنه وبينتُه من خلال مجموعة من الأساطير التي عُرف العرب بها. وإن كان البعض ينظر إلى الأسطورة ” على أنها الدين القديم الذي آمن به الأسلاف وتناقلته الأجيال، ففي الأسطورة يلتقي الدين مع التاريخ والأدب القصصي.”[18]. وقد قص القرآن الكريم أحسن القصص ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ))[19]. ” وقد انتهج القرآن الكريم أسلوب القصة سردا وحوارا ومثلا في مواطن عدة كآية من آيات إعجازه، وذلك بسرد أخبار الماضين من الأمم والأنبياء والرسل إظهارا لنبوة النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم… أو لتحقيق غاية معينة كنشر حكمة أو تعليم فضيلة ولما في ذلك من عبر وعظات ودروس لحث الناس على الإيمان بالله الخالق”[20]. كما أن أغراص القصة القرآنية لا يحصرها قول ” هذا وإن الخوض في غمار ما يقع من القصص القرآني من حكم وعبر وفوائد أمر يضيق عنه نطاق النطق وتقف الأقلام عاجزة عن سبر غوره، ولعل تدبر قصة واحدة، وواقعة فريدة لو شاء المتأمل أن يقضي معها العمر كله لما قضاها حقها، ولا وفاها مستحقها من البحث والاستنباط والتدبر، فلندع سياق القصص يسري في سواقيه”[21].
أما الأساطير فهي حكايات اخترعها الإنسان البدائي حسب ما أوحى به خياله وعقله و” قد أظهر أن الإنسان البدائي كان يبتكر الأسطورة في مرحلة أولى وهو يحس بالرعب اتُجاه سر الطبيعة الغاضبة، وفي مرحلة ثانية عوَّض هذا الرعب (بخوف وجودي) وفي مرحلة ثالثة كان يسعى بواسطة الخيالات إلى المحافظة على المجتمع عن طريق تحقيق نوع من التوازن”[22]. وفي البداية كان الإنسان ” يتصور أن هذه الطبيعة قوى خفية تؤثر فيه فرهبها وألَّهَ مظاهرها وعدَّد هذه الآلهة، ووكَّل إلى كل منها تدبيرا خاصا”[23]. وهكذا ” عاش كل فرد من أفراد الإنسانية مع أساطيره وحكاياته… يعتصم بها إذا حزبه أمر، ويلجأ إليها إذا قسا عليه قدر”[24]. والأساطير التي أتحدث عنها في هذا المقام هي الحكايات الموجودة في كتب التفسير والتي يسميها البعض (إسرائليات) وهي حكايات وردت عن أهل الكتب فيها غرائب وعجائب ودقائق وتفصيلات متعلقة بسنن الكون وأسرار الوجود وأخبار الماضين، هذا ما دفع بعض الصحابة رضوان الله عليهم إلى سؤال أهل الكتاب وخاصة أصحاب التوراة التي فيها الجزئيات والدقائق ” وقد أغنانا الله برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الشرائع ، وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط وخلط، وكذب ووضع،و تحريف وتبديل “[25].
د – عبد السلام الخراز
[1] – أحمد موسى سالم، قصص القرآن في مواجهة أدب الرواية والمسرح، دار الجيل، بدون ط، 1978، بيروت،ص 38.
[2] – حسن نعمة، موسوعة الأديان السماوية والوضعية(1) ، ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة، دار الفكر اللبناني، بدون ط، 1994م، بيروت، ص 25.
[3] – أحمد موسى سالم، قصص القرآن في مواجهة أدب الرواية والمسرح، ص 43.
[4] – عبد الحفيظ عبد ربه، بحوث في قصص القرآن، دار الكتاب اللبناني، بدون ط، بدون تاريخ، بيروت، ص 16.
[5] – أحمد موسى سالم، قصص القرآن في مواجهة أدب الرواية والمسرح، ص 212.
[6] – حسن نعمة، موسوعة الأديان السماوية والوضعية(1) ، ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة، ص 24 – 25.
[7] – فاروق خورسيد، أديب الأسطورة عند العرب، ص 19.
[8] – لوليدي، الأسطورة بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية، ص 15.
[9] – حسن نعمة، موسوعة الأديان السماوية والوضعية، موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة، ص 27- 28.
[10] – التهامي نقارة، سيكولوجية القصة في القرآن، الشركة التونسية ، الحلقة الثالثة، 1971 م، جامعة الجزائر، ص 175.
[11] – المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
[12] – نفسه، ص 161.
[13] – لوليدي، الأسطورة بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية، ص 24.
[14] – أحمد موسى سالم، قصص القرآن في مواجهة أدب الرواية والمسرح، ص 224- 225.
[15] – حسن نعمة، موسوعة الأديان السماوية والوضعية(1) ، ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة، ص 26.
[16] – أحمد موسى سالم، قصص القرآن في مواجهة أدب الرواية والمسرح، ص 126.