
أثار الإعلان عن اختيار الفنان المصري محمد رمضان لإحياء حفل افتتاح كأس إفريقيا بالمغرب موجة جدل واسعة، لم تقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت إلى الأوساط الفنية والثقافية، حيث عبّر عدد من الفنانين المغاربة عن استيائهم من قرار رأوا فيه تهميشاً غير مبرر للساحة الفنية الوطنية، وإقصاءً لرموز ثقافية كان الأجدر بها أن تتصدر هذا الحدث القاري.
القضية هنا لا تتعلق بشخص الفنان ولا بجنسيته، بل بالسؤال الأعمق: أي صورة عن المغرب نريد أن نسوقها للعالم؟ هل نريد صورة مستنسخة، عابرة، تخضع لمنطق “الترند” والفرجة السهلة، أم صورة متجذرة تعكس عمق تاريخ هذا البلد وغنى تراثه وتنوع روافده الثقافية؟
كأس إفريقيا ليست مجرد مباريات كرة قدم، بل منصة رمزية كبرى، لحظة تتقاطع فيها الرياضة بالثقافة، والسياسة الناعمة بالهوية، والتسويق بالذاكرة الجماعية. هي فرصة نادرة ليقول المغرب للعالم: هذا نحن، بهذا الإيقاع، وبهذا اللون، وبهذا العمق الحضاري. فكيف يُعقل أن نبحث عن هذا الصوت خارج حدودنا، ونحن نملك تراثاً موسيقياً وفنياً يُدرّس ولا يُستورد؟
أين أحيدوس برقته الجماعية التي تختصر روح الجبل والقبيلة؟ أين كناوة بإيقاعها الضارب في عمق الذاكرة الإفريقية؟ أين العود المغربي بطابعه الأندلسي المتفرّد؟ أين الفن البلدي، وأهازيج الشمال والجنوب، والصحراء والريف؟ أليس هذا كله جزءاً من الرأسمال اللامادي الذي نتغنى به في الخطب والوثائق الرسمية؟
المفارقة أن المغرب، الذي يتحدث اليوم عن ربط كرة القدم بالتنمية، وعن جعل التظاهرات الرياضية رافعة اقتصادية وثقافية، يبدو وكأنه يفصل بين الرياضة والتاريخ، وبين الكرة والهوية. فالتنمية ليست فقط طرقاً وملاعب، بل سردية متكاملة، تبدأ من الموسيقى، واللباس، واللغة، والرمز، وتنتهي بصورة بلد يعرف من هو، ولا يحتاج إلى استعارة ملامح غيره ليبدو “حديثاً” أو “جذاباً”.
إن الخطر الحقيقي في هذا الاختيار ليس في حفل افتتاح واحد، بل في المنطق الذي يحكمه: منطق الاستسهال، والارتهان للنجومية الاستهلاكية، ولو على حساب الذوق العام والخصوصية الثقافية. فحين يصبح الحدث الإفريقي مناسبة لاستيراد أنماط فنية مثيرة للجدل، بدل إبراز تنوعنا وغنانا، فإننا نُفرّط طوعاً في أقوى أوراقنا.
المغاربة لا يرفضون الانفتاح، ولا يعادون الفن العربي أو الإفريقي، لكنهم يرفضون أن يتحول الانفتاح إلى مسح للذات، وأن يصبح التراث عبئاً يُركن جانباً كلما أردنا مخاطبة العالم. العالم لا يحترم من يقلده، بل من يقدّم نفسه كما هو، بثقته، وخصوصيته، وتاريخه.
كأس إفريقيا في المغرب كان يمكن أن يكون لحظة احتفاء بالذات المغربية، لحظة تقول فيها صافرة البداية: هنا بلد إفريقي، عربي، أمازيغي، متوسطي، بجذور عميقة وصوت خاص. أما أن نبدأ هذا العرس القاري بفرجة مستوردة لا تعكس روح المكان، فذلك سؤال مؤلم حول اختياراتنا الثقافية، وحول ما إذا كنا نؤمن فعلاً بأن تراثنا جدير بأن يُقدَّم للعالم، أم أننا ما زلنا نشك في قيمته.



