المغرب

ياسمين المغور تكذب بكل صدق: خطاب الإنجاز وحدود الواقع


قالت ياسمين المغور وهي تكذب بكل صدق:
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش واجهت ظروفاً استثنائية: جائحة عالمية، سنوات متتالية من الجفاف، أزمة تضخم دولية، واضطرابات اقتصادية غير مسبوقة ومخلفات حكومتين فاشلتين. ومع ذلك تمكن المغرب من تحقيق نسبة نمو بلغت 4.7% سنة 2025، وخفض التضخم إلى مستويات متدنية، واستقطاب استثمارات قياسية، وإطلاق أكبر ورش للحماية الاجتماعية في تاريخ المملكة.
بهذه الصياغة، يبدو الخطاب الرسمي وكأنه يقدّم حقيقة مكتملة الأركان: أرقام صاعدة، مشاريع كبرى، وإنجازات متراكمة. لكن خلف هذا السرد، تظهر أسئلة ثقيلة حول الكلفة الاجتماعية لهذه “النجاحات”، ومن الذي يدفع ثمنها فعلياً.
أولاً، فيما يخص جائحة كورونا، لا أحد ينكر أنها ظرف عالمي استثنائي. لكن ما يُطرح بإلحاح هو مسألة توزيع الكلفة والفائدة داخل المجتمع. فبينما استفادت بعض الشركات والقطاعات من الدعم والتحولات الاقتصادية، وجد المواطن البسيط نفسه أمام الإغلاق، فقدان الدخل، وارتفاع كلفة المعيشة، دون أن يلمس أثراً مباشراً لأي “إنقاذ اقتصادي” في حياته اليومية.
ثانياً، ملف الجفاف لم يعد مجرد ظاهرة طبيعية، بل تحول إلى إطار تُمرَّر داخله سياسات دعم واسعة. هذا الدعم، رغم ضخامته، لم ينعكس بنفس القوة على صغار الفلاحين، بقدر ما عزز مواقع كبار الفاعلين الزراعيين القادرين على امتصاص الأزمات وتحويلها إلى أرباح.
ثالثاً، الحديث عن “مخلفات الحكومات السابقة” يُستعمل كعنوان سياسي جاهز، لكنه لا يلغي مسؤولية الحاضر. فكل حكومة تستفيد من تراكمات من سبقها بقدر ما تتحمل نتائج اختياراتها، ما يجعل اختزال الإشكال في الماضي وحده تبسيطاً مخلّاً للواقع.
رابعاً، رقم النمو 4.7%، رغم أهميته الإحصائية، لا يجيب عن السؤال الأهم: من يستفيد من هذا النمو؟ إذ يترافق هذا التحسن في المؤشرات الكبرى مع ارتفاع المديونية بشكل ملحوظ، وهو ما يعني أن جزءاً من هذا “الإنجاز” يُموَّل بالدَّين العمومي، أي أن المواطنين هم من سيتحملون في النهاية فاتورته عبر الضرائب وتقليص الهوامش الاجتماعية في المستقبل.
خامساً، الاستثمارات القياسية التي يتم الاحتفاء بها تحمل وجهاً آخر أقل لمعاناً. فباسم هذه الاستثمارات، تُسجَّل حالات تشريد لمواطنين ونزع ملكية أراضٍ في بعض المناطق، بهدف إقامة مشاريع سياحية وفنادق ومنتجعات فاخرة موجهة بالأساس لغير المغاربة أو لطبقات محدودة جداً. وهنا يُطرح سؤال العدالة المجالية: من يُبنى له هذا النمو، ومن يُطلب منه أن يفسح المكان له؟
سادساً، ورش الحماية الاجتماعية يُقدَّم كأكبر تحول في تاريخ الدولة الاجتماعية، لكنه يصطدم في الواقع اليومي بحدود واضحة. فالمواطن الذي يُفترض أنه “مستفيد” من هذا الورش، لا يزال يواجه صعوبة الوصول إلى العلاج، بل إن كثيراً من الحالات تنتهي أمام أبواب المستشفيات العمومية حيث يُفترض أن يكون العلاج حقاً مضموناً، بينما تتحول القدرة المالية إلى شرط غير معلن للبقاء.
في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: أين تنعكس هذه الإصلاحات فعلياً في حياة الناس؟
سابعاً، كل ما يُقدَّم اليوم كإنجازات كبرى—من نمو واستثمارات ومشاريع اجتماعية—يبدو في النهاية أنه يُموَّل من جيب المواطن بشكل مباشر أو غير مباشر. سواء عبر الضرائب، أو المديونية، أو ارتفاع الأسعار، أو كلفة التحولات الاقتصادية، فإن المواطن يظل هو الحلقة التي تدفع الثمن، حتى عندما لا يكون حاضراً في لحظة القرار.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بنفي وجود تحولات اقتصادية أو مشاريع كبرى، بل بالسؤال عن طبيعتها واتجاهها: هل هي تنمية تعود بالنفع على الجميع، أم مسار اقتصادي تتحمل فيه الأغلبية الكلفة بينما يتركز العائد في الأعلى؟
بين خطاب الإنجاز وواقع المعيشة، تبقى الحقيقة أكبر من رقم، وأوسع من تصريح، وأعمق من رواية رسمية واحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى