
يشكل انتقال المقعد العربي غير الدائم بمجلس الأمن الدولي من الجزائر إلى مملكة البحرين تحولا سياسيا ودبلوماسيا لافتا، لا يمكن فصله عن سياق أوسع تعرفه التوازنات الإقليمية، ولا عن المسار المتقدم الذي راكمه المغرب في الدفاع عن قضيته الوطنية الأولى، قضية الصحراء المغربية، داخل المنتظم الدولي.
فالبحرين، التي تتولى العضوية للفترة 2026-2027، ليست دولة محايدة أو رمادية في ملف الصحراء، بل تعد من بين الدول العربية التي عبرت بوضوح وثبات عن دعمها لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الجاد والواقعي وذي المصداقية. وهو ما يمنح الحضور العربي داخل مجلس الأمن هذه المرة بعدا مختلفا، أقل عدائية للموقف المغربي، وأكثر انسجاما مع منطق الاستقرار الإقليمي.
بالنسبة للجهد المغربي، تمثل هذه العضوية عاملا مساعدا مهما، ليس لأن البحرين ستدافع وحدها عن الطرح المغربي، بل لأنها تضعف قدرة خصوم الوحدة الترابية على توظيف المقعد العربي كمنصة لمناكفة المغرب أو تشويش مسار التسوية الأممية. فقد أظهرت التجربة الجزائرية داخل مجلس الأمن محدودية الخطاب التصعيدي، وعجزه عن إحداث أي اختراق نوعي لصالح الطرح الانفصالي، بل على العكس، أسهم في عزل الجزائر وإبرازها كطرف مباشر في النزاع، لا كوسيط كما تدعي.
إن خروج الجزائر من مجلس الأمن وهي مثقلة بخطاب متشنج، وبمواقف اصطدمت مرارا بمنطق التوافق الدولي، يعكس تهاوي استراتيجية قائمة على استهلاك الشعارات بدل بناء التحالفات. فقد راهنت الجزائر على تدويل عدائي للقضية، لكنها اصطدمت بواقع دولي بات أكثر اقتناعا بأن الحل لا يمكن أن يكون خارج السيادة المغربية، ولا بعيدا عن مقترح الحكم الذاتي.
في المقابل، يواصل المغرب اشتغاله الهادئ والمتدرج، القائم على الدبلوماسية متعددة المسارات: الرسمية، والاقتصادية، والروحية، والبرلمانية. وقد نجح في تحويل قضية الصحراء من ملف نزاع مفتوح إلى ملف تدبير سياسي ضمن السيادة الوطنية، تحظى مقاربته بدعم متزايد من قوى دولية وازنة، ومن عدد متنام من الدول العربية والإفريقية.
إن تولي البحرين للمقعد العربي يكرس أيضا تراجعا في النفوذ الجزائري داخل الفضاء العربي، حيث لم يعد الخطاب القائم على معاداة المغرب يجد الصدى الذي كان يعول عليه. بل إن كثيرا من الدول العربية باتت تنظر إلى النزاع من زاوية الاستقرار والتنمية، لا من زاوية الاصطفاف الإيديولوجي البائد.
وعليه، فإن التحول الحاصل داخل مجلس الأمن لا يمثل نصرا ظرفيا للمغرب بقدر ما يعكس مسارا استراتيجيا طويلا، قوامه الصبر، والوضوح، وربط الشرعية التاريخية بالواقعية السياسية. وفي المقابل، يكشف تهاوي الدور الجزائري عن أزمة بنيوية في نظام يستهلك طاقته في معارك خارجية خاسرة، بينما تتراكم داخليا الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
إن ميزان القوة داخل المنتظم الدولي لا يحسم بالشعارات، بل بمدى القدرة على الإقناع، وبناء الثقة، وتقديم حلول قابلة للتنفيذ. وفي هذا الميزان، يبدو أن المغرب يواصل التقدم بخطى ثابتة، بينما تزداد عزلة الطرح الجزائري يوما بعد يوم.




