المغرب

حديقة عين السبع بين منطق الخدمة العمومية ومنطق المنتزه التجاري


إعادة افتتاح حديقة عين السبع ليست مجرد حدث ترفيهي عابر، بل لحظة كاشفة لطريقة تفكير المدينة في فضاءاتها العمومية. فالحديقة، في الوعي الجماعي للبيضاويين، لم تكن يوما مشروعا نخبويا، بل متنفسا شعبيا ارتبط بالذاكرة الحضرية وبحق غير مكتوب في الاستجمام داخل مدينة مثقلة بالإسمنت والضغط اليومي.
غير أن الجدل الذي رافق الإعلان عن ثمن الولوج لا يتعلق فقط بمبلغ 80 درهما، بل بالسؤال الأعمق الذي يطرحه: هل نحن أمام مرفق عمومي بمنطق الخدمة الاجتماعية، أم أمام منتزه ترفيهي بمنطق العرض والطلب؟
في المدن الكبرى، لا يقاس نجاح الحدائق بعدد زوارها فقط، بل بطبيعة هؤلاء الزوار. حين يصبح الفضاء الأخضر متاحا أساسا لفئات قادرة على الدفع، فإن المدينة ترسل رسالة غير مباشرة مفادها أن الترفيه حق مشروط بالقدرة الشرائية، لا جزء من جودة العيش التي يفترض أن تشمل الجميع.
التدبير المالي للمرافق العمومية مفهوم، بل ضروري لضمان الاستمرارية والصيانة، غير أن تحويل منطق التسيير إلى منطق تجاري صرف يفرغ المشروع من بعده الاجتماعي. فحديقة الحيوانات ليست مركز تسوق ولا منتجعا سياحيا، بل أداة تربوية وثقافية قبل أن تكون فضاء للفرجة، خصوصا في مدينة تضم آلاف الأطفال الذين لا يملكون بديلا مماثلا.
المفارقة أن الحديقة قُدمت كمنجز لفائدة الساكنة، لكنها سريعا اصطدمت بواقع اجتماعي لا يواكب منطق التسعير المعتمد. فالأسر المتوسطة والهشة لا تقارن السعر بجودة التجربة فقط، بل بميزانية شهرية مثقلة بمصاريف أساسية. هنا يتحول الولوج من فعل بسيط إلى قرار مؤجل، وربما ملغى.
النقاش الحقيقي إذن لا ينبغي أن ينحصر في تخفيض دراهم معدودة، بل في إعادة تعريف وظيفة هذا الفضاء. هل هو استثمار يراد له تحقيق التوازن المالي بسرعة، أم مرفق عمومي يقبل بهامش دعم مقابل أثر اجتماعي وتربوي بعيد المدى؟
في تجارب مدن أخرى، جرى الفصل بين قيمة الدخول الفردي، ومنطق الولوج العائلي أو المدرسي، مع اعتماد تسعير مرن يراعي الزمن، والفئة، والقدرة الشرائية، دون المساس بجودة التسيير. مثل هذه المقاربة لا تضعف المشروع، بل تعزز انخراط الساكنة فيه وتحوله من مرفق مستهلك إلى فضاء منتمى إليه.
حديقة عين السبع اليوم ليست في حاجة إلى دعاية إضافية، بل إلى وضوح في الرؤية. فإما أن تظل فضاء عموميا بمعناه الاجتماعي، أو تتحول تدريجيا إلى تجربة ترفيهية محدودة الولوج. وبين الخيارين، ستحدد المدينة شكل علاقتها بسكانها، ونوع العدالة الحضرية التي تريد ترسيخها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى