عندما تتنصل الوزارة: النقل المدرسي بين فراغ المسؤولية وحق التمدرس

أثار تصريح وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، بشأن “عدم مسؤولية الوزارة عن النقل المدرسي”، موجة من التساؤلات المشروعة حول حدود الاختصاص، لكن أساسًا حول من يتحمل كلفة الإخفاقات المتراكمة التي تطبع هذا المرفق الحيوي، خصوصًا في العالم القروي والمناطق النائية.
ففي الوقت الذي يعاني فيه آلاف التلاميذ من صعوبات يومية في الولوج إلى المؤسسات التعليمية، بسبب غياب النقل المدرسي أو رداءة خدماته، اختار الوزير مقاربة تقنية ضيقة، تحصر المسؤولية في المجالس الإقليمية والسلطات المحلية، متجاهلًا البعد الاستراتيجي لحق التمدرس الذي يفترض أن تكون الوزارة الوصية حاضنته الأولى.
صحيح أن النقل المدرسي، من الناحية القانونية والمالية، يدخل ضمن اختصاصات الجماعات الترابية، غير أن هذا المعطى لا يعفي وزارة التربية الوطنية من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية في ضمان شروط التمدرس الفعلي. فالمدرسة لا تبدأ من باب الفصل، بل من قدرة التلميذ على الوصول إليه بأمان وانتظام، وهو ما تؤكده كل التقارير الوطنية والدولية المرتبطة بمحاربة الهدر المدرسي.
إن الاكتفاء بالقول إن “لا ميزانية للوزارة” أو أن “الاختصاص ليس من صميمها”، يعكس منطق تدبير قطاعي مجزأ، يفتقر إلى التنسيق والقيادة العمومية. فدور الوزارة لا يقتصر على بناء المناهج وتدبير الموارد البشرية، بل يمتد إلى التنسيق مع باقي الفاعلين، واقتراح حلول مندمجة، والضغط المؤسساتي من أجل تعبئة الموارد الضرورية لضمان تكافؤ الفرص.
والأدهى أن هذا التنصل يأتي في سياق وطني يرفع شعار “المدرسة العمومية ذات الجودة”، ويجعل من تعميم التعليم ومحاربة الهدر أولوية استراتيجية. فكيف يمكن الحديث عن هذه الأهداف، في وقت يُترك فيه تلاميذ القرى لمصيرهم، يقطعون الكيلومترات سيرًا على الأقدام، أو ينقطعون عن الدراسة بسبب غياب حافلة مدرسية؟
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في تحديد الجهة المسؤولة على الورق، بل في غياب رؤية وطنية مندمجة للنقل المدرسي، تُشرف عليها الدولة باعتبارها ضامنًا للحق في التعليم، وتُفعل فيها آليات الحكامة، والتمويل المشترك، والمساءلة.
تصريحات الوزير، بدل أن تشكل لحظة اعتراف بالإشكال وبحث عن حلول، بدت وكأنها محاولة لإخلاء المسؤولية، في وقت ينتظر فيه الرأي العام خطابًا مسؤولًا، يعترف بالاختلالات، ويقترح بدائل عملية، ويضع مصلحة التلميذ فوق منطق الاختصاصات المتنازعة.
فالنقل المدرسي ليس تفصيلًا إداريًا، بل شرطًا أساسيًا من شروط العدالة المجالية، وأي إصلاح حقيقي لمنظومة التعليم سيظل ناقصًا ما دامت الطريق إلى المدرسة غير مضمونة.




