العالم

عندما تتحول الجامعة إلى محكمة رأي


ليست الجامعة فضاءً محايدًا حين يُطلب منها أن تلامس الأسئلة الحساسة، لكنها تفقد معناها بالكامل حين تتحول من حاضنة للبحث الحر إلى جهاز ضبطٍ إداري يُعاقب المعرفة بدل أن ينتجها. هذا ما تعكسه، بوضوح مقلق، قضية طالب الدكتوراه سمير لرابي بجامعة عبد الرحمن ميرة ببجاية، الذي وجد نفسه خارج أسوار الجامعة، لا بسبب ضعف علمي أو إخلال منهجي، بل بسبب موضوع بحثه.
أطروحة لرابي، التي تناولت الحركات الاجتماعية وتحليل خطاب الانفصاليين في منطقة القبائل، ليست منشورًا سياسيا ولا بيانًا أيديولوجيًا، بل عملا بحثيًا خضع لمسطرة علمية، ونال موافقة الهيئات المختصة من حيث الجاهزية. ومع ذلك، ظلت مناقشتها مجمدة لأكثر من عامين، قبل أن يُحسم الأمر بقرار فصل صاحبه، في خطوة تطرح أكثر من سؤال حول العلاقة بين السلطة والمعرفة داخل الجامعة الجزائرية.
القضية هنا لا تتعلق بباحث واحد، بقدر ما تمس جوهر الفعل الأكاديمي ذاته. فحين يُعاقَب طالب دكتوراه لأنه أصر على حقه في مناقشة أطروحته، نكون أمام منطق يُجرّم السؤال بدل أن يناقشه، ويُخضع البحث العلمي لميزان “الموضوع المسموح” و”الموضوع المحظور”، وهي معادلة لا تنتمي إلى الجامعة، بل إلى أنظمة الرقابة.
عريضة التضامن التي وقعها عدد من الأساتذة الجامعيين لم تأت من فراغ. فهي، في جوهرها، دفاع عن أخلاقيات العمل الجامعي قبل أن تكون دفاعًا عن شخص. إذ لا معنى للجنة علمية توافق على أطروحة، ثم تُفرغ هذه الموافقة من مضمونها بقرار إداري. ولا معنى لجامعة ترفع شعار البحث العلمي، بينما تضع خطوطًا حمراء غير مكتوبة حول ما يجوز التفكير فيه.
الأخطر في هذه القضية هو الرسالة التي تُبعث إلى الباحثين الشباب: يمكنك أن تدرس كل شيء، بشرط ألا تقترب مما يُربك السردية الرسمية أو يفتح نقاشًا غير مرغوب فيه. وهي رسالة، إن استمرت، ستُنتج جامعة خائفة، وبحثًا عقيمًا، ونخبة أكاديمية تمارس الرقابة الذاتية بدل النقد.
قضية سمير لرابي ليست حادثًا معزولًا، بل مؤشرًا على مأزق أعمق تعيشه الحرية الأكاديمية في سياقات سياسية متوترة. وهي تضع الجامعة الجزائرية أمام اختبار حقيقي: هل هي فضاء للمعرفة، أم مجرد امتداد إداري لمنطق المنع؟
الإجابة، للأسف، لم تأت من قاعة المناقشة، بل من قرار الفصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى