زلزال المحاسبة يهز الجماعات الترابية: حين تنتقل سلطة العزل من القرار الإداري إلى حكم القضاء

تشهد الساحة المحلية بالمغرب مؤشرات قوية على مرحلة جديدة في تدبير الشأن الترابي، عنوانها الأبرز تشديد آليات المحاسبة وربط المسؤولية بالممارسة الفعلية داخل الجماعات. فالمعطيات المتداولة حول استعداد وزارة الداخلية لتفعيل مساطر التوقيف والعزل في حق عدد من رؤساء الجماعات ومنتخبين بارزين، تعكس تحولا لافتا في التعامل مع اختلالات التدبير المحلي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
اللافت في هذه الخطوة ليس فقط عدد المعنيين بها، والذي يتجاوز العشرين، بل طبيعة الأساس الذي تستند إليه. فالأمر يتعلق بتقارير دقيقة أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية والمجلس الأعلى للحسابات، كشفت عن خروقات جسيمة في مجالات حساسة، على رأسها التعمير وتدبير أملاك الجماعات، وهي ملفات ظلت لسنوات من أكثر بؤر الفساد إثارة للجدل والاحتقان الاجتماعي.
وتشير المعطيات إلى أن ولاة وعمال الأقاليم باشروا تحركات عملية لتفعيل مقتضيات المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات، والتي تتيح توقيف المنتخبين المعنيين فور إحالة ملفاتهم على المحاكم الإدارية المختصة. وهو ما يعني أن القرار لم يعد محكوما بمنطق “التقدير الإداري” فقط، بل أصبح مسارا قانونيا يمر عبر القضاء، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية ومؤسساتية.
هذا التحول يعكس إرادة واضحة في استئصال مظاهر الريع وسوء التدبير من جذورها، عبر تفكيك شبكات محلية راكمت النفوذ الانتخابي واستغلته في تدبير غير شفاف للشأن العام. كما أن استثناء رؤساء الجهات من هذه الموجة لا يعني تحصينهم، بقدر ما يعكس خصوصية قانونية وتنظيمية لمستوى الجهة، مع بقاء الباب مفتوحا أمام المحاسبة وفق مساطر موازية.
وتبرز خطورة الوضع من خلال جاهزية ملفات ثقيلة في أقاليم مثل سيدي قاسم، وطنجة، وأصيلا، وشيشاوة، والقنيطرة، حيث لم تعد التحقيقات في طور الجمع، بل وصلت إلى مكاتب القضاة، في انتظار أحكام العزل، بل وإحالة بعض القضايا على محاكم جرائم الأموال، ما يضع المنتخبين المعنيين أمام مسؤوليات قانونية تتجاوز فقدان المنصب إلى المساءلة الجنائية.
ويرى متابعون أن هذه الدينامية تشكل قطيعة مع مرحلة سابقة كان فيها بعض المنتخبين يعوّلون على الزمن الانتخابي لإعادة ترتيب مواقعهم أو تبييض سجلاتهم قبل العودة إلى صناديق الاقتراع. أما اليوم، فإن نقل سلطة العزل من يد “الوصاية” إلى سلطة القضاء يضفي طابعا حقوقيا ومؤسساتيا على المحاسبة، ويحد من التوظيف السياسي أو الانتقائي لهذا السلاح.
يبدو أن الجماعات الترابية مقبلة على مرحلة غربلة حقيقية، عنوانها الوضوح في المسؤوليات، وربط السلطة بالمحاسبة الفعلية، بعيدا عن منطق الإفلات من العقاب. وهي رسالة لا تستهدف أشخاصا بعينهم بقدر ما تؤسس لمرحلة جديدة في تدبير الشأن المحلي، يكون فيها القانون هو الفيصل، والقضاء هو الحكم، والمواطن هو المستفيد الأول من إدارة ترابية أكثر نزاهة وشفافية.



