المغرب

حين يُختزل الهدر المدرسي في التشخيص: أسئلة مؤجلة حول منطق التدخل


لا يمكن إنكار الأهمية الرمزية والإنسانية لأي مبادرة تسعى إلى معالجة صعوبات التعلم لدى التلاميذ، خصوصًا في سياق يعرف فيه الهدر المدرسي مستويات مقلقة. غير أن تحويل هذه المبادرات إلى “حلول مركزية” يفرض طرح أسئلة نقدية مشروعة حول طبيعة المقاربة، وحدودها، وما تخفيه أحيانًا من اختزال مريح للمشكلة.
أول ما يلفت الانتباه في هذا النوع من البرامج هو التركيز المكثف على التشخيص الطبي–النفسي، وكأن التعثر الدراسي يُختزل في اضطرابات فردية لدى التلميذ، لا في اختلالات بنيوية داخل المنظومة التعليمية نفسها. صحيح أن الديسليكسيا والديسكالكوليا واضطرابات التعلم موجودة، لكن الخطورة تكمن في تحويلها إلى تفسير شبه وحيد للفشل الدراسي، بما يعفي السياسات التعليمية من مسؤولياتها الأعمق.
الهدر المدرسي ظاهرة اجتماعية مركبة، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية، والهشاشة الأسرية، وضعف جودة التعليم، والاكتظاظ، والمناهج غير الملائمة، وتكوين المدرسين، واللغة، والبيئة المدرسية الطاردة. وعندما يُقدَّم التشخيص الطبي كمدخل أساسي، فإننا نكون بصدد “طَبْيَنة” مشكلة اجتماعية، أي نقلها من حقل السياسات العمومية إلى حقل العيادة.
ثم إن استهداف مئات التلاميذ، رغم أهميته الإنسانية، يطرح سؤال الأثر الفعلي على المدى المتوسط والبعيد. ماذا بعد التشخيص؟ هل تتوفر المؤسسات التعليمية العمومية على الموارد البشرية والبيداغوجية لمواكبة هؤلاء التلاميذ داخل الفصول؟ أم أن الأمر سينتهي بتقارير طبية لا تجد ترجمتها داخل القسم، فيظل التلميذ نفسه محاصراً بنفس المناهج ونفس طرق التقويم؟
كما أن الحديث عن “إعداديات الريادة” يفتح بدوره باب التساؤل: هل نحن أمام نموذج تربوي جديد فعلاً، أم مجرد تسمية إدارية لمؤسسات تشتغل بنفس الأدوات القديمة؟ لأن معالجة صعوبات التعلم لا تنجح داخل فضاء مدرسي لا يغير من بنيته البيداغوجية، ولا من علاقة الأستاذ بالتلميذ، ولا من منطق التقويم القائم على الإقصاء بدل الدعم.
أما على مستوى التكوين، ورغم أهمية إشراك الأطر التربوية والأخصائيين، فإن السؤال الجوهري يبقى: هل هذا التكوين ظرفي ومواكب للحملة فقط، أم جزء من سياسة مستدامة لإدماج المقاربة النفسية-التربوية داخل المدرسة العمومية؟ التجارب السابقة أظهرت أن التكوينات المعزولة، مهما كان مستوى خبرائها، تفقد أثرها بمجرد انتهاء البرنامج.
ومن زاوية أخرى، لا يخلو هذا النوع من المبادرات من خطر الوصم غير المقصود. فتصنيف التلاميذ بناء على “تعثرات” أو “اضطرابات” دون إطار تواصلي تربوي واضح قد يُنتج شعورًا بالنقص أو الإقصاء، خاصة في غياب ثقافة مدرسية دامجة تحترم الفروق الفردية ولا تحولها إلى هويات ثابتة.
المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية رفعت شعار الانتقال من الكم إلى الكيف، وهو انتقال ضروري. لكن الكيف لا يعني فقط جودة التشخيص، بل جودة القرار السياسي، واستمرارية التدخل، وربط الدعم النفسي بإصلاح تربوي شامل، لا يُحمِّل الطفل كلفة فشل منظومة كاملة.
في النهاية، ليست المشكلة في المبادرة ذاتها، بل في سقفها. فإذا ظلت معالجة الهدر المدرسي محصورة في حملات تشخيصية متفرقة، فإننا سنظل ندور في حلقة معالجة الأعراض بدل تفكيك الأسباب. أما إذا أُدمجت هذه المقاربة ضمن إصلاح جذري للمدرسة العمومية، فإنها قد تتحول من خطوة “هامة” إلى خطوة حاسمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى