حين ينتصر القضاء لحق العطش المشروع

لم يكن الحكم الصادر عن المحكمة الادارية بطنجة، والقاضي بإلزام شركة امانديس بأداء تعويض قدره 7000 درهم لفائدة مواطن، مجرد قرار قضائي عابر، بل شكل لحظة فارقة في علاقة المواطن بمرفق حيوي طالما اعتبر فوق المساءلة. فأن يتم قطع الماء الصالح للشرب عن منزل لأكثر من اثنتي عشرة ساعة دون اشعار مسبق او سند قانوني، ثم يعترف القضاء بكون ذلك ضررا يستوجب التعويض، فذلك يحمل دلالات قانونية ومجتمعية عميقة.
الماء ليس خدمة كمالية يمكن الاستغناء عنها، بل حق اساسي لصيق بالكرامة الانسانية، تكفله المواثيق الدولية ويكرسه الدستور المغربي من خلال ربطه بالحق في العيش الكريم. وعندما تتولى شركة مفوض لها تدبير هذا المرفق، فانها لا تمارس نشاطا تجاريا محضا، بل تضطلع بمسؤولية عمومية تفرض عليها احترام معايير الاستمرارية والجودة والاشعار المسبق في حال الاضطرار للانقطاع.
الحكم القضائي جاء ليضع حدا لمنطق الامر الواقع الذي اعتادت عليه شركات التدبير المفوض، حيث غالبا ما يتحمل المواطن تبعات اعطاب تقنية او قرارات ادارية دون تفسير او اعتذار، ناهيك عن غياب اي تعويض عن الاضرار المادية والمعنوية. فالانقطاع المفاجئ للماء لا يعني فقط غياب خدمة، بل شللا للحياة اليومية، مساسا بالنظافة والصحة، وتعطيلا لمصالح الاسر، خاصة في ظل غياب بدائل.
اهمية هذا القرار لا تكمن فقط في مبلغ التعويض، بل في المبدأ الذي ارساه. فالقضاء الاداري اكد ان المرفق العمومي، حتى عندما يسير في اطار التفويض، يظل خاضعا للمساءلة، وان المواطن ليس طرفا ضعيفا بل صاحب حق يمكنه اللجوء الى القضاء والانتصار. وهو ما يعيد التوازن لعلاقة مختلة طالما رجحت كفة الشركات على حساب المرتفقين.
كما ان هذا الحكم يبعث برسالة واضحة لباقي الفاعلين في قطاع الماء والكهرباء، مفادها ان الاستهتار بحقوق المواطنين لم يعد امرا يمر دون ثمن، وان غياب الاشعار او التبرير القانوني للانقطاعات يمكن ان يرتب مسؤولية وتعويضات. وهي رسالة لا تقل اهمية للمواطن نفسه، الذي اعتاد في كثير من الاحيان الصمت او التذمر دون تفعيل اليات المطالبة بالحق.
في سياق يتزايد فيه الجدل حول تدبير المرافق العمومية وجودة الخدمات، يشكل هذا الحكم لبنة في مسار تكريس دولة الحق والقانون، حيث لا تكون الشركات فوق المحاسبة، ولا تبقى الحقوق حبرا على ورق. فالماء حق، وقطع الحق دون مبرر هو اعتداء، والقضاء حين ينتصر للمواطن، انما ينتصر لفكرة العدالة ذاتها.




