
ليست كل الفضائح بحاجة إلى وثائق سرية أو تسريبات استخباراتية. أحيانا، تكفي صورة واحدة: يد تُسقط علم بلدها على الأرض، لا تحت القصف ولا في ساحة معركة، بل في مدرج رياضي، وبين جمهور جاء للاحتفال لا للاقتتال.
ما جرى على هامش التظاهرات الرياضية المنظمة بالمغرب، وما رافقه من سلوكيات معزولة لكنها مدروسة، يطرح سؤالا سياسيا وأخلاقيا عميقا: من المستعد لإسقاط علم بلاده من أجل تشويه بلد آخر؟
الجواب المؤلم: من تربّى داخل منطق الأنظمة التي لا ترى في الرموز إلا أدوات، ولا في الأوطان إلا أوراق ضغط، ولا في الحقيقة إلا مادة قابلة للتزوير.
الادعاءات المتداولة حول دس عناصر وسط الجماهير، بهدف افتعال مشاهد مسيئة وترويج روايات كاذبة، لا تأتي من فراغ. فهي تنسجم مع تاريخ طويل من الاشتغال على الفوضى الرمزية، وعلى نقل الصراع من السياسة إلى الصورة، ومن الواقع إلى البهتان.
لكن الأخطر من كل ذلك، ليس الاتهام في حد ذاته، بل الفعل الرمزي: إسقاط العلم.
العلم ليس قطعة قماش. هو ذاكرة، ودم، وتاريخ، وشرف جماعي.
التاريخ علّمنا أن الإنسان قد يموت وهو يلف علم بلاده حول جسده، لا أن يرميه أرضا بحثا عن لقطة أو اتهام.
حين يسقط شخص علم بلاده بيده، فهو يعلن – دون أن يدري – استعداده لإسقاط كل ما تحته: الكرامة، الشرف، والانتماء.
ومن كان مستعدا لدهس علمه، لن يتردد في دهس الحقيقة.
المفارقة المؤلمة أن من أراد تشويه صورة المغرب، لم ينجح إلا في فضح عمق الانهيار القيمي داخل المنظومة التي أنتجته.
فالمغرب لم يحتج إلى ردّ، لأن المشهد كان كافيا: بلد ينظم، يؤمّن، يستقبل، ويحترم؛ وفي المقابل سلوكيات تبحث عن الفوضى حتى داخل الفرح.
لقد تحوّل العلم، في يد بعض أدوات نظام العسكر، إلى شيء يعادل قشة مرمية على الأرض. لا قداسة، لا رمزية، لا معنى.
وهنا مكمن الكارثة: حين تفقد الرموز قيمتها، تفقد الدولة معناها.
القضية ليست مباراة ولا جمهور كرة قدم. القضية أن هناك نظاما يعيش على تصدير الكراهية، ويتغذى على العداء، ولا يتنفس إلا في بيئة التشويش والكذب.
وحين يعجز عن منافسة الدول في التنمية، أو التنظيم، أو الاحترام الدولي، يلجأ إلى أسلوبه المفضل: تشويه الآخرين ولو بإحراق صورته الذاتية.
أما المغرب، فليس بحاجة إلى تلميع صورته عبر إسقاط أعلام غيره، ولا إلى افتعال مشاهد رخيصة. صورته تُبنى بالفعل، لا بالبهتان، وبالسلوك، لا بالصراخ.
والخلاصة واضحة:
من أسقط علمه اليوم، أسقط معه آخر ما تبقى من كرامة خطاب نظامه.
والتاريخ لا يرحم من يبيع رموزه من أجل كذبة عابرة.




