المغرب

حين تعود سبتة ومليلية إلى النقاش الدولي… بين الذاكرة الاستعمارية وتحولات الجغرافيا السياسية


في لحظات التحول الجيوسياسي الكبرى تعود بعض الملفات التاريخية إلى الواجهة، وكأن الزمن يمنحها فرصة جديدة لإعادة القراءة. هذا ما حدث مع الجدل الذي أثارته تصريحات الباحث والمستشار السابق في وزارة الدفاع الأمريكية مايكل روبين، بعد دعوته الإدارة الأمريكية إلى الاعتراف بسيادة المغرب على مدينتي سبتة ومليلية، معتبراً أنهما جيبان استعماريان تابعان لـ إسبانيا فوق الأراضي المغربية. ورغم أن هذه الدعوة لا تمثل موقفاً رسمياً لواشنطن، إلا أنها أعادت فتح نقاش سياسي وتاريخي ظل لسنوات محصوراً في الدبلوماسية الهادئة بين الرباط ومدريد.
ظهور هذا الطرح في السياق الدولي لم يكن معزولاً عن التحولات التي يعرفها النظام العالمي. فقد جاء مقال روبين في وقت تشهد فيه العلاقات الغربية توتراً متزايداً على خلفية الصراع الجيوسياسي مع إيران، وهو ما دفع الكاتب إلى انتقاد الموقف الإسباني من بعض القضايا الدولية، معتبراً أن مدريد باتت، في بعض الملفات، تبتعد عن الخط السياسي لواشنطن. ومن هنا حاول الربط بين هذا التباين السياسي وبين ملف المدينتين، في إشارة إلى أن التوازنات الاستراتيجية قد تدفع أحياناً إلى إعادة فتح ملفات تاريخية ظلت لسنوات خارج النقاش الدولي المباشر.
الأهمية الرمزية لدعوة روبين لا تكمن فقط في مضمونها، بل في المقارنة التي قدمها مع القرار الأمريكي سنة 2020 حين اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء. ذلك القرار، الذي اتخذته إدارة الرئيس دونالد ترامب، اعتبره روبين “تصحيحاً لخطأ تاريخي”، وهو ما دفعه إلى القول إن واشنطن يمكن أن تتبنى مقاربة مماثلة في ملف سبتة ومليلية. هذه المقارنة تعكس رؤية ترى أن كثيراً من الحدود التي رسمتها الحقبة الاستعمارية في شمال إفريقيا ما زالت تؤثر في العلاقات الدولية حتى اليوم.
لكن أهمية هذا النقاش تتجاوز مجرد الجدل السياسي، لأنه يفتح الباب أمام قراءة تاريخية أعمق لطبيعة الوجود الإسباني في المدينتين. فسبتة ومليلية ظلتا عبر قرون نقطة تداخل بين الحضارات المتوسطية والمغاربية، غير أن السيطرة الإسبانية عليهما تحولت مع مرور الزمن إلى قضية سياسية حساسة، خاصة بعد استقلال المغرب وبروز مطالب متكررة بإنهاء ما يعتبره كثير من المغاربة امتداداً لمرحلة استعمارية لم تُغلق بالكامل.
اللافت في ردود الفعل التي أعقبت تصريحات روبين هو حجم الجدل الذي أثارته داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية. فمجرد طرح الموضوع من قبل شخصية أمريكية معروفة في مراكز التفكير الاستراتيجية أعاد إلى الواجهة حساسية ملف المدينتين، خصوصاً في ظل العلاقات المعقدة التي تجمع الرباط ومدريد، والتي تتداخل فيها قضايا الأمن والهجرة والتعاون الاقتصادي.
وفي الواقع، فإن هذا الملف لطالما كان محاطاً بتوازن دبلوماسي دقيق. فالمغرب يؤكد باستمرار أن المدينتين جزء من ترابه الوطني، بينما تعتبر إسبانيا أنهما مدينتان تابعتان لها إدارياً وسياسياً. وبين هذين الموقفين ظل النقاش غالباً محصوراً في إطار العلاقات الثنائية، دون أن يتحول إلى قضية دولية واسعة كما هو الحال في ملفات أخرى.
غير أن التحولات الجيوسياسية التي يعرفها العالم اليوم تجعل من الصعب استبعاد عودة بعض القضايا التاريخية إلى النقاش الدولي. فالنظام العالمي يعيش مرحلة إعادة تشكيل، حيث تتغير التحالفات وتُعاد قراءة كثير من التوازنات التي تشكلت بعد الحرب الباردة. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الملفات المرتبطة بالإرث الاستعماري أكثر قابلية للطرح داخل مراكز التفكير والسياسة.
من هنا يمكن فهم تصريحات روبين ليس فقط كموقف فردي، بل كجزء من نقاش أوسع داخل بعض الدوائر الغربية حول مستقبل الترتيبات الجيوسياسية في البحر الأبيض المتوسط. فهذه المنطقة أصبحت اليوم نقطة التقاء لمجموعة من القضايا الاستراتيجية، من بينها الأمن والهجرة والطاقة، وهو ما يجعل أي نقاش حول الحدود أو السيادة يحمل أبعاداً تتجاوز الإطار المحلي.
في النهاية، قد لا تتحول دعوة روبين إلى موقف رسمي داخل الولايات المتحدة في المدى القريب، لكن مجرد طرحها أعاد ملف سبتة ومليلية إلى دائرة الضوء الدولي. وهذا بحد ذاته يكشف أن بعض القضايا التاريخية، مهما طال الزمن، تظل قادرة على العودة إلى واجهة النقاش كلما تغيرت موازين السياسة العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى