
مرة أخرى، يجد النظام الجزائري نفسه خارج الصورة، وهو يراقب من بعيد كيف تُطوى صفحة جديدة من رهاناته الإفريقية الفاشلة. فمع تثبيت قيادة جديدة في غينيا، لا تتقاطع اختياراتها مع منطق الوصاية أو الاستثمار في الفوضى، يتأكد أن زمن تسويق الشعارات الثورية الباردة قد انتهى، وأن القارة الإفريقية دخلت مرحلة مختلفة كليًا.
لسنوات، راهنت الجزائر على توسيع نفوذها غرب القارة عبر خطاب أيديولوجي متجاوز، قائم على شراء المواقف ودعم كيانات معزولة لا تملك لا مشروعية داخلية ولا أفقًا تنمويًا. غير أن هذا الرهان بدأ يتآكل بسرعة، مع صعود قيادات إفريقية تفضل الواقعية السياسية، وتضع مصلحة شعوبها فوق حسابات المحاور العقيمة.
التحولات الجارية داخل عدد من العواصم الإفريقية تكشف حقيقة مُقلقة للجزائر: القارة لم تعد تنصت لمن يتقن رفع الشعارات، بل لمن يملك مشاريع، استثمارات، وتجربة عملية في التعاون المتوازن. وهو ما يفسر تراجع الحضور الجزائري لصالح فاعلين يقدمون أنفسهم كشركاء لا كأوصياء.
الأزمة لا تكمن فقط في خسارة مواقع نفوذ، بل في غياب رؤية جزائرية متماسكة تجاه إفريقيا. فالدبلوماسية الجزائرية ما زالت حبيسة منطق الحرب الباردة، عاجزة عن فهم أن إفريقيا اليوم تبحث عن الأمن الغذائي، البنية التحتية، التكوين، وربط الاقتصادات، لا عن استنساخ صراعات مستوردة.
وفي مقابل هذا الانكماش، يبرز نموذج آخر في القارة، يقوم على التعاون جنوب–جنوب، واحترام سيادة الدول، وبناء الشراكات على أساس المنفعة المتبادلة. هذا التحول العميق هو ما يجعل أحلام النظام الجزائري تتهاوى واحدًا تلو الآخر، دون ضجيج، ولكن بثبات.
ما يحدث اليوم ليس هزيمة دبلوماسية عابرة، بل نتيجة طبيعية لتراكم اختيارات خاطئة. إفريقيا تغيّرت، ومن لم يُغيّر أدواته وخطابه، سيبقى يراقب من الهامش كيف يُعاد رسم المشهد من دونه.




