حوادث السير بالمغرب: أزمة مستمرة وبرنامج طموح لخفض الخسائر

أعلن وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، أن وضعية حوادث السير بالمغرب ما تزال مقلقة للغاية، مع تسجيل منحى تصاعدي لا يبعث على الاطمئنان. وأوضح الوزير أن الفئة الأكثر تعرضاً لهذه الحوادث هي راكبو الدراجات النارية، مشيراً إلى أن جميع الإجراءات المتخذة حتى الآن، مثل تركيب الرادارات وتوزيع الخوذات الواقية، لم تعد كافية لمواجهة الظاهرة.
وأكد قيوح أن المغرب يتكبد خسائر سنوية تُقدّر بـ 8.5 مليار درهم، نتيجة الحوادث التي تخلف قتلى وجرحى، وهو رقم يعكس حجم العبء الاقتصادي والاجتماعي الذي تحمله الدولة والمجتمع سنوياً. هذه الأرقام تجعل من حوادث السير أكثر من مجرد قضية طرقية، بل قضية وطنية تتقاطع فيها الصحة العامة، الاقتصاد، والتربية المجتمعية.
في هذا السياق، كشف الوزير عن إطلاق برنامج جديد للفترة 2026-2030، في إطار لجنة اليقظة الوطنية، بهدف خفض حوادث السير بنسبة 50 في المائة خلال السنوات القادمة. ويشير البرنامج إلى مقاربة شاملة تتضمن ثلاثة أبعاد رئيسية: الجانب التكويني والتربوي داخل المؤسسات التعليمية، الجانب الزجري عبر تحديث وتطبيق القوانين بشكل أكثر صرامة، وإعادة النظر في عدد من التشريعات المتعلقة بالسلامة الطرقية.
وتعكس هذه المبادرة إدراك السلطات المغربية أن حوادث السير ليست مجرد حوادث عرضية، بل نتيجة تراكمية لمجموعة من العوامل: ضعف الوعي المجتمعي، التهور في القيادة، النقص في البنية التحتية الملائمة، والفجوات القانونية في معاقبة المخالفين. ومن هنا، فإن التركيز على التكوين والتربية يمثل خطوة أساسية لضمان تغيّر السلوكيات على المدى الطويل، خصوصاً بين الشباب الذين يشكلون الشريحة الأكثر عرضة للخطر.
يبقى السؤال الأكبر هو قدرة الدولة والمجتمع على تفعيل هذه الاستراتيجية بشكل فعّال، وتحويل البرامج الطموحة إلى واقع ملموس على الأرض، بحيث لا تبقى مجرد خطط مكتوبة على الورق. فالنجاح في خفض حوادث السير بنسبة 50 في المائة سيشكل تحسناً ملموساً على حياة المواطنين، ويقلل من الخسائر البشرية والمادية، ويعزز الثقة في قدرة المؤسسات على حماية الأرواح.
في النهاية، حوادث السير بالمغرب قضية متعددة الأبعاد، تتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين القانون، التربية، التحسيس، والبنية التحتية. والبرنامج الجديد الذي أعلن عنه الوزير يمثل فرصة حقيقية لإحداث تغيير ملموس، لكن النجاح يعتمد على التزام كل الأطراف المعنية، من الدولة والمجتمع المدني إلى المواطنين أنفسهم.




