حرب في الخليج… ودرهمان في المغرب: كيف تتحول الجغرافيا إلى ذريعة

في المغرب، لا تحتاج الحرب أن تقع عندك حتى تدفع ثمنها، يكفي أن تندلع في مكان بعيد، في الخليج مثلًا، لتستيقظ على خبر صغير في حجمه، كبير في أثره: زيادة درهمين في الوقود، وكأن المسافة بينك وبين ساحة الصراع اختصرت فجأة إلى عداد محطة البنزين، وكأن الجغرافيا لم تعد تفصل بين الأحداث، بل أصبحت مجرد تفصيل ثانوي أمام منطق السوق الذي يتحرك بسرعة الضوء حين يتعلق الأمر بالرفع، وببطء السلحفاة حين يتعلق الأمر بالتخفيض.
الخبر يُقدَّم ببساطة: توتر دولي، اضطراب في الإمدادات، احتمال ارتفاع الأسعار عالميًا، ثم تُترك لك مهمة الفهم والتقبل، وكأن الأمر بديهي، وكأن المواطن مطالب بأن يتابع خريطة العالم يوميًا ليبرر ما يحدث في جيبه، لكن ما لا يُقال غالبًا هو السؤال البسيط الذي لا يجد طريقه إلى العناوين: لماذا ترتفع الأسعار هنا فورًا، حتى قبل أن تنفد الاحتياطات، وقبل أن تتغير الكلفة الفعلية، بينما لا تنخفض بنفس السرعة حين تهدأ الأمور؟
هنا تبدأ القصة الحقيقية، ليس في الحرب نفسها، بل في كيفية استثمارها، لأن السوق لا ينتظر دائمًا التأثير الفعلي، بل يتحرك على أساس التوقع، على أساس ما قد يحدث، لا ما حدث فعليًا، وهذا في حد ذاته مفهوم داخل منطق اقتصادي معين، لكن حين يتحول التوقع إلى فرصة للرفع الفوري، دون انتظار الكلفة الحقيقية، فإننا لا نكون أمام تفاعل طبيعي فقط، بل أمام هامش يُستغل، مساحة رمادية بين ما هو مبرر وما هو ممكن.
المفارقة أن هذا الهامش لا يُرى بسهولة، لأنه محاط بلغة تقنية: “الأسعار الدولية”، “سعر البرميل”، “تكلفة الاستيراد”، وهي مفاهيم صحيحة في أصلها، لكنها تُستخدم أحيانًا كستار يُخفي سؤالًا أكثر بساطة: هل الزيادة تعكس الواقع بدقة، أم تعكس توقعًا يُستثمر بسرعة؟ وهل المواطن يدفع ثمن ما حدث فعلًا، أم ثمن ما قد يحدث؟
في هذه اللحظة، يصبح درهمان ليسا مجرد رقم، بل إشارة، لأن الزيادة في الوقود لا تبقى في محطة البنزين، بل تتسرب إلى كل شيء: النقل، السلع، الخدمات، الحياة اليومية، وكأن كل درهم إضافي يتحول إلى سلسلة من الزيادات الصغيرة التي لا تُعلن دائمًا، لكنها تُحس، تُثقل كاهل من لا يملك هامشًا للمناورة، من يعيش أصلًا على توازن دقيق بين الدخل والمصاريف.
السخرية هنا ليست في الحرب، ولا في تعقيد الاقتصاد العالمي، بل في السرعة الانتقائية، سرعة في الرفع، حذر في التخفيض، تفاعل فوري مع التوتر، وانتظار طويل للانفراج، وكأن السوق يمتلك ذاكرة قصيرة عندما يتعلق الأمر بالمكاسب، وذاكرة طويلة عندما يتعلق الأمر بالخسائر، وهذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل نمط يتكرر إلى درجة يصبح فيها شبه طبيعي، رغم أنه يطرح أسئلة جدية حول الشفافية والإنصاف.
لا أحد ينكر أن المغرب مرتبط بالسوق العالمية، وأن ما يحدث في الخليج يمكن أن يؤثر، لكن الارتباط لا يعني الاستسلام التام لمنطق غير متوازن، ولا يعني أن يتحمل المواطن دائمًا الكلفة بسرعة، بينما يُطلب منه الصبر حين يتعلق الأمر بأي تخفيف محتمل، لأن العلاقة بين السوق والدولة والمواطن ليست مجرد أرقام، بل توازن دقيق بين الربح والحماية، بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية.
المشكل ليس في درهمين في حد ذاتهما، بل في الإحساس الذي يرافقهما، الإحساس بأن هناك شيئًا يحدث بسرعة أكبر مما يجب، بأن القرار يسبق الواقع أحيانًا، وأن المواطن يجد نفسه دائمًا في موقع المتلقي، لا الفاعل، يدفع أولًا، ويسأل لاحقًا، إن سُمح له بالسؤال.
في النهاية، قد تكون الحرب في الخليج حقيقية، وقد يكون تأثيرها واردًا، لكن السؤال الذي يبقى معلقًا هنا، ليس عن هناك… بل عن هنا، عن الطريقة التي تتحول بها الأحداث البعيدة إلى قرارات قريبة، عن السرعة التي تُترجم بها التوقعات إلى زيادات، وعن ذلك الهامش الصغير الذي قد يبدو تقنيًا، لكنه في حياة الناس اليومية… ليس كذلك أبدًا.




