
ليس غريباً أن يحمل شخص أكثر من انتماء ثقافي أو عاطفي، خصوصاً في عالم أصبحت فيه الهجرة جزءاً من حياة ملايين البشر. وليس مستغرباً أيضاً أن يشعر بعض أبناء الجاليات المغربية بالخارج بارتباط خاص ببلدان الإقامة التي منحتهم فرصاً للتكوين والعمل والنجاح.
لكن ما يثير الاستغراب هو أن يتحول هذا الارتباط إلى خطاب يُفهم منه التقليل من قيمة الوطن الأصلي أو التقزيم من مكانته، خاصة عندما يصدر عن شخصية راكمت شهرتها واسمها انطلاقاً من جذورها المغربية.
التصريحات الأخيرة المنسوبة للاعب التنس المغربي السابق يونس العيناوي أعادت إلى الواجهة هذا النقاش الحساس. فالمشكل بالنسبة لكثيرين لا يتعلق بكون الرجل يعتز بفرنسا أو يعتبرها بلداً ثانياً له، فهذا حق شخصي لا ينازع فيه أحد. كما أن الحديث عن الانتماء المزدوج أصبح واقعاً يعيشه آلاف المغاربة المقيمين بالخارج.
غير أن الجدل الحقيقي يتجاوز مسألة الهوية والانتماء، ليصل إلى مواقف وسلوكيات سابقة ظلت عالقة في أذهان عدد من المتابعين، وعلى رأسها الزيارات التي قام بها العيناوي إلى إسرائيل، ومشاركته في أنشطة رياضية هناك وتقديمه خبراته التقنية لشباب إسرائيليين في رياضة التنس.
بالنسبة للعديد من المغاربة، الذين ما زالوا يعتبرون القضية الفلسطينية قضية مبدئية وإنسانية قبل أن تكون سياسية، فإن مثل هذه الخطوات لم تكن مجرد أنشطة رياضية عادية، بل حملت دلالات رمزية تتجاوز حدود الملاعب والمنافسات.
الأكثر إثارة للنقاش هو التبرير الذي يُقدَّم عادة في مثل هذه الحالات، والقائم على فكرة الفصل بين الرياضة والسياسة. فهذه المقولة التي كانت تجد بعض القبول في عقود سابقة أصبحت اليوم محل مراجعة واسعة في العالم كله. فالرياضة لم تعد مجرد منافسات على الألقاب والكؤوس، بل تحولت إلى قوة ناعمة تستخدمها الدول لتحسين صورتها وتعزيز نفوذها والتأثير في الرأي العام الدولي.
ولهذا السبب، لم يعد ممكناً الحديث عن رياضة معزولة تماماً عن السياسة أو عن القضايا الإنسانية الكبرى. فالملاعب أصبحت فضاءات للرسائل السياسية، والبطولات الدولية تحولت إلى أدوات دبلوماسية، والرياضيون أنفسهم باتوا فاعلين مؤثرين في النقاشات العامة.
من هنا، فإن الانتقادات الموجهة إلى يونس العيناوي لا ترتبط فقط بتصريح أو موقف عابر، بل تتصل بصورة أوسع تتعلق بمسؤولية الشخصيات العمومية تجاه أوطانها وقضاياها المركزية. فكلما ارتفع رصيد الشهرة، ارتفع معه حجم المسؤولية الأخلاقية والرمزية.
وقد يختلف الناس حول تقييم تصريحات العيناوي أو مواقفه، لكن المؤكد أن المغاربة ينتظرون من الشخصيات التي حملت اسم بلدهم إلى المحافل الدولية أن تكون أكثر حرصاً على صون صورته والدفاع عن مكانته، لا أن تترك المجال لتأويلات تثير الجدل وتفتح أبواب الأسئلة.
فالوطن ليس مجرد مكان للولادة، بل هو أيضاً ذاكرة وانتماء ومسؤولية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات صنعت جزءاً من مجدها تحت رايته.




