جريمة تامنصورت: انعكاسات اجتماعية وتعليمية ومأزق التربية الوقائية

اهتزت منطقة تامنصورت ضواحي مراكش أول أمس الأربعاء على وقع جريمة صادمة، تورط فيها ثلاثة تلاميذ قاصرين تتراوح اعمارهم بين 14 و15 سنة، في هتك عرض زميلتهم القاصر التي تعاني من إعاقة ذهنية. وقد فجرت الواقعة، التي وثقت في شريط فيديو، استياء كبيرا في اوساط الاسرة والمجتمع المحلي، ووضعت تساؤلات جوهرية حول الخلل في منظومة التربية الاسرية والمدرسية، ومدى فاعلية البرامج الوقائية.
أين الخلل؟
يبقى السؤال الاكثر إلحاحا: كيف يمكن لقاصر في هذا السن ارتكاب مثل هذه الجريمة؟ تشير التحليلات النفسية والاجتماعية الى ان سبب هذا السلوك لا يكمن فقط في انعدام الضبط الشخصي، بل في غياب توجيه مستمر داخل الاسرة والمدرسة، وضعف التربية على احترام حقوق الاخرين وفهم الحدود الجسدية والشخصية. فبرامج التربية في كثير من المدارس تركز على المعرفة الاكاديمية وتهميش التربية على القيم والادراك الاجتماعي، فيما تواجه الاسر تحديات في مراقبة استخدام الانترنت، والتعامل مع الضغوط والمحيط الاجتماعي، ونقل قيم احترام الاخرين والتعاطف.
الاصلاحيات والتأهيل: بين نجاح محدود وفشل محتمل
تطرح الواقعة ايضا تساؤلات حول الاصلاحيات المخصصة للقاصرين: هل تهدف فقط الى العقاب ام الى التأهيل؟ التجارب تشير الى ان التركيز على العقوبات فقط دون برامج تأهيلية متكاملة يؤدي الى فشل الإصلاحيات في معالجة السلوكيات العنيفة أو الجنسية المماثلة. يحتاج الامر الى مقاربة شاملة تجمع بين العقاب الرمزي، التأهيل النفسي، التربية الجنسية، التدريب على التحكم في الغضب، وتعليم قيم المسؤولية والاحترام.
رفع العقوبات ام تعزيز الوقاية؟
البعض يرى ان رفع العقوبات صار ضروريا لمواجهة الجرائم الصادرة عن القاصرين، لكن الدراسات تظهر ان العقوبات المشددة وحدها لا تمنع تكرار الجريمة اذا لم يصاحبها اصلاح نفسي وسلوكي. الوقاية تكون اكثر فاعلية عندما تبدأ مبكرا: داخل الاسرة عبر التربية على الاحترام والانضباط، وفي المدرسة عبر برامج تعليمية واجتماعية تعلم الطلاب كيفية حل النزاعات، التعاطف، التحكم في الغضب، وفهم عواقب العنف على النفس والمجتمع.
خلاصة: معضلة التربية والمجتمع
حادثة تامنصورت ليست مجرد جريمة فردية، بل انعكاس لمعضلة مجتمعية واسعة تشمل ضعف التربية الاسرية، قصور البرامج المدرسية في التربية على القيم والسلوكيات الاجتماعية، وعدم كفاية الاصلاحيات في معالجة سلوكيات القاصرين. الحل لا يكمن فقط في رفع العقوبات، بل في وضع مقاربات تربوية وقائية وتأهيلية شاملة، تدمج الاسرة، المدرسة، والمجتمع المحلي، لضمان حماية القاصرين من الانحراف، وتعليمهم احترام حقوق الاخرين، وتهيئتهم لمواجهة تحديات النمو النفسي والسلوكي بطريقة سليمة.




