المغرب

جرندو وفضيحة “الاختراق الوهمي”: حين تسقط المعارضة الرقمية في فخ الوهم والبوز

لم يكن ما جرى مجرد زلة لسان أو خطأ تقدير عابر، بل مشهداً كاشفاً لواحد من أكثر أشكال العبث الرقمي ابتذالاً. سقوط المدعو هشام جيراندو في فخ “تسريبات” مصنوعة بعناية، لم يفضح شخصاً بعينه فقط، بل عرّى نموذجاً كاملاً من المعارضة الافتراضية التي تعيش على الوهم، وتقتات على التضليل، وتخلط بين العمل الاستخباراتي الحقيقي وسيناريوهات رديئة مستوحاة من أفلام الدرجة الثالثة.
القصة، في جوهرها، بسيطة إلى حد السذاجة: “مؤثر” مقيم بالخارج، اعتقد أنه أمسك بالخيط الذي سيقوده إلى ما سماه “أسرار الدولة”، وأنه على بعد خطوة من إسقاط مؤسسة أمنية وازنة. غير أن هذا الحلم الورقي سرعان ما انهار، حين تبيّن أن “المصدر المنشق” لم يكن سوى فخ ساخر، استُخدمت فيه أبسط الأدوات، وأوضح الإشارات، التي كان من المفترض أن تكشف الخدعة منذ اللحظة الأولى.
أن يُقدَّم تاريخ ميلاد الشخص نفسه على أنه “رقم وظيفي سري”، وأن يُسوَّق تطبيق مخصص للمواعدة والدردشة العاطفية باعتباره وسيلة تواصل استخباراتية، فذلك ليس فقط استخفافاً بالعقل العام، بل دليل على مستوى خطير من السطحية والاندفاع الأعمى وراء “البوز”. هنا لا نتحدث عن اختراق فاشل، بل عن غياب شبه كامل لأبسط قواعد التحقق، والتحليل، والتمييز بين الحقيقي والمفبرك.
اللافت في هذه الواقعة، أنها لم تسقط جيراندو وحده، بل أسقطت معه خطاباً كاملاً ظل يقدّم نفسه لسنوات باعتباره “معارضة شرسة” و”صوت الحقيقة من الخارج”. فإذا كانت هذه هي أدواتهم، وإذا كان هذا هو مستوى تعاملهم مع ما يصفونه بـ”الملفات الخطيرة”، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالمؤسسات المستهدفة، بل بالجمهور الذي يُراد له أن يصدق كل هذا العبث.
ما حدث كشف بوضوح أن كثيراً من هذه الأصوات لا تحركها رغبة في الإصلاح أو كشف الاختلالات، بقدر ما تحركها نرجسية مفرطة، وشهية مفتوحة للشهرة، واستعداد دائم لتصديق أي رواية تخدم صورة “البطل المنقذ”، حتى وإن كانت مفخخة بسخرية واضحة. إنها معارضة تشتغل بمنطق العاطفة لا العقل، وبالضجيج لا المعلومة، وتراهن على جمهور لا يسأل ولا يدقق.
وفي المقابل، جاءت هذه “الفضيحة الرقمية” لتؤكد مرة أخرى أن المؤسسات الأمنية لا تُدار عبر تطبيقات مجانية، ولا تُخترق بأصوات درامية ومقاطع مرتجلة، وأن الفرق شاسع بين عمل تراكمي احترافي يحظى باعتراف دولي، وبين محتوى افتراضي هش يقوم على التهويل والادعاء.
إن سقوط “الاختراق الوهمي” لم يكن ضربة لشخص بقدر ما كان مرآة عاكسة لبؤس خطاب كامل، يرفع شعارات كبيرة بأدوات صغيرة، ويتحدث عن “أسرار دول” بعقلية دردشة ليلية. وهو درس بليغ لكل من يعتقد أن العبث بالمؤسسات مسألة سهلة، أو أن صناعة الأكاذيب يمكن أن تعوّض غياب المصداقية.
في النهاية، ما بقي من هذه الواقعة ليس “تسريباً” ولا “فضيحة دولة”، بل مادة للسخرية، ودليل إضافي على أن أخطر ما تواجهه بعض المجتمعات اليوم ليس القمع ولا السرية، بل التضليل الطوعي، حين يختار البعض أن يصدق أي شيء… فقط لأنه يوافق أهواءه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى