تاريخ قيادة "بني يازغة" بين الواقع والخيال (الجزء الرابع)

ـ توطئة:
خلال الجزء الرابع من سلسلة المقالات حول تاريخ قيادة “بني يازغة” سنتعرف على الحاجة الملحة إلى ضرورة تعيين القواد على القبائل من طرف سلاطين المغرب. كما سنتطرق إلى مقتطفات من تاريخ أبي العباس”أحمد الكعيدي” أحد القواد العظام الذين أنجبتهم قبيلة بني يازغة، والذي بصم بعمق على التاريخ المحلي والوطني؛ مع الإشارة إلى بعض الأحداث الوطنية التي عايشها هذا القائد المتميز.
ضرورة تعيين القواد على القبائل من طرف سلاطين المغرب:
إن اتساع الرقعة الجغرافية للمملكة المغربية كان يفرض على السلطان تعيين أشخاص يمثلونه، وينوبون عنه حتى يكون للأوامر السلطانية قوة السريان في مجموع التراب الموجود تحت نفوذه. وعليه كان السلطان يحرص على تمثيليته داخل تلك المناطق بأسلوب مرن يمكنه من أخذ فروض الطاعة منها، وفقا لمبدأ الشورى والعدل، وحملهم على الطاعة والامتثال.
وقد كانت مهمة ـ القائد ـ ممثل السلطان هي الحفاظ على الأمن والطمأنينة بالمنطقة المعين فيها. وإخماد كل ما من شأنه أن يشعل نار الفتنة. وجمع الجبايات الشرعية المفروضة، إضافة إلى توطيد علاقات البيعة بين القبائل والسلطان.
مقتطفات من تاريخ المغرب في تقاطعها مع القائد اليازغي أبي العباس“أحمد الكعيدي”
ومما لاشك فيه أن القائد “حمادي البوكريني” لم يكن القائد المتميز الوحيد الذي عرفته قبيلة بني يازغة؛ فقد سبقه القائد أبي العباس “أحمد الكعيدي” خلال فترة سابقة، وكان من القواد العظام المبرزين الذين تركوا بصمتهم الخالدة بتاريخ المغرب. وقد عاصر مرحلة حكم متقلب، استفحل فيها الصراع، وتفاقم خلالها النزاع، وعمتها الفوضى، وندر فيها الاستقرار على حال من الأحوال. حقبة تعاقب على الحكم فيها أبناء المولى إسماعيل خلال فترة تعتبر من أشد فترات تاريخ المغرب اضطرابا وتقلبا. خصوصا مع استبداد جيش البخاري بالسلطة وتحكمه في اختيار وخلع الملوك. لاسيما مع عدم وجود وحدة في الرأي والتساند وتضعضع الأوضاع العامة للبلاد، مع كثرة الثورات والانقلابات والجرأة على المخزن..
وقد عاش القائد “أحمد الكعيدي” خلال فترة الصراع والتنافس هاته، والتي عرفت بهيمنة الجيش واستفحال أزمة العرش. وعاصر عهد تعاقب حكم أبناء مولاي إسماعيل:( أحمد الذهبي، عبد الملك بن إسماعيل، عبد الله بن إسماعيل، علي الأعرج، محمد بن إسماعيل، المستضيء، وزين العابدين). وكان له شأن كبير، وذكر حميد، وسطوة بالغة؛ إلى الحد الذي جعل المغرب يقسم في عهد المولى محمد بن إسماعيل الملقب بابن عربية (1150/ 1737) إلى خمسة مناطق نفوذ كانت كالتالي:
ـ مولاي عبد الله بالصحراء وسوس ومراكش
ـ الباشا الحوات بناحية الغرب
ـ الباشا أحمد با علي الريفي: الفحص، غمارة، الريف، تطوان، القصر الكبير، كارت إلى نواحي كرسيف
ـ القائد الكعيدي ببني يازغة
ـ ابن عربية: بباقي الجهات
وفي عهد ولاية المستضيء الذي تم التمهيد له من قبل عبيد البخاري بعد أن تولت والدته مفاوضة قائد الجيش بشأن توليته. كانت فاس قد دخلت قبل غيرها في البيعة. فاستقبل السلطان الجديد وفدها بصفرو سنة:1151/ 1738. وما أن احتفل في فاس الجديد بتنصيب المستضيء حتى عَمَدَ إلى توجيه أخيه ابن عربية مقيدا إلى فاس ثم إلى تافيلالت. كما عمل على تولية القائد “أحمد الكعيدي” بفاس، وصادر أموال القائد عبد المجيد المشامري الذي توفي تحت طائلة التعذيب.
وكان المستضيء قد أمر بتعذيب أخيه زين العابدين وإرساله مقيدا مع شخصيات أخرى مناصرة له إلى تافيلالت ليسجن مع بعض أشرافها، لكون جيش البخاري قد رشحه للملك قبل المستضيء، قبل أن تحول أم هذا الأخير البيعة لابنها وتستميل الجيش لصالحه. غير أن الجيش اعترض طريق زين العابدين إلى تافيلالت بعد أن انتزعه جماعة من العبيد من حامليه، وبعثوا به إلى القائد أبي العباس “أحمد الكعيدي” ببني يازغة لرعايته والاحتفاظ به والعناية بشأنه.
وقد لازمت حالة عدم الاستقرار هذه الفترة، بعد أن تآمر البخارى على عزل المستضيء في سنة: 1152/1740 ففر إلى طنجة ومنها إلى مراكش. وظلت أحوال المغرب في غاية الفوضى والاضطراب، بدون حكومة موحدة ولا عاهل مستقر بالعاصمة عدة أشهر.. حتى راجع الجيش بيعة مولاي عبد الله بن إسماعيل للمرة الثالثة، في الوقت الذي كان يتعقب المستضيء في طريقه إلى مراكش دون جدوى. وهكذا بايعوه بقصبة آلزم في أوائل سنة:1153/1740 دون أن يتنازل المستضيء لصالحه. وانضم زين العابدين إلى مولاي عبد الله. وتولى الجيش أمر فاس ومكناس في فترة غياب مولاي عبد الله الذي قام بتعيين عبد الله الحمري عاملا على فاس التي عادت نهبا للصوص، كما قام العاهل بتعيين “أحمد الكعيدي” عاملا على جبالة والحياينة وكلفه بجباية الزكوات منها.
اغتيال القائد اليازغي “أحمد الكعيدي”
وفي الوقت الذي بدأ فيه الأمر يستتب شيئا فشيئا للعاهل عبد الله بن اسماعيل، بعد أن تمكن من استمالة الأودايا عن طريق والدته اخناثة.. وقع حادث جديد أثر في معنوياته، ألا وهو مقتل القائد “أحمد الكعيدي” الذي كان من أكبر مناصريه. فقد نصب له الحياينة كمينا وتمكنوا من اغتياله غدرا بعدما كان عاملا عليهم مكلفا بجباية الزكوات منهم. وبهذه الطريقة الدنيئة تمكن هؤلاء من وضع حد لحياة هذا القائد العظيم، بعد أن صال وجال في الميادين لسنوات طوال.. قبل أن تغرب شمس هذا البطل المغوار، ويأفل نجمه، ويلف الغموض سيرته، ويطوي النسيان حياته المليئة بالأمجاد والبطولات.
هوامش:
التحدي: الحسن الثاني ملك المغرب
الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى: الناصري