العالمالمغرب

الهجرة غير النظامية بين الجزائر والمغرب: حين تكشف الأرقام ما يخفيه الخطاب


أفرزت سنة 2025 تحوّلًا نوعيًا في خريطة الهجرة غير النظامية نحو إسبانيا، تحوّلًا لم يكن وليد الصدفة ولا نتاج ظرف عابر، بل نتيجة مسارات سياسية واقتصادية متباينة في الضفة الجنوبية للمتوسط. فقد أصبحت الجزائر، لأول مرة، المصدر الأول للمهاجرين غير النظاميين إلى إسبانيا، في وقت سجلت فيه الأرقام تراجعًا ملحوظًا للهجرة القادمة من المغرب، ما يضع البلدين في مقارنة مباشرة تتجاوز البعد الجغرافي إلى عمق الاختيارات الداخلية لكل دولة.
فوفق المعطيات المتداولة لدى السلطات الإسبانية، وصل قرابة عشرة آلاف جزائري إلى السواحل الإسبانية خلال 2025، أغلبهم عبر جزر البليار وألميريا، فيما تشير تقديرات أمنية إلى أن عدد المغادرين من السواحل الجزائرية قد ناهز 14 ألف شخص، من بينهم مهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء، ما يجعل الجزائر ليس فقط بلد منشأ، بل أيضًا منصة عبور إقليمية. هذا الواقع يعكس أزمة داخلية مركبة، عنوانها انسداد الأفق الاقتصادي، وتآكل الثقة في المؤسسات، واستمرار نموذج ريعي عاجز عن استيعاب فئة الشباب التي اختارت الهجرة كصيغة احتجاج صامت.
في المقابل، لم يتجاوز عدد المغاربة الذين وصلوا إلى إسبانيا بحرًا حوالي 2,675 شخصًا خلال الفترة نفسها، كما لم يتعدَّ عدد المنطلقين من السواحل المغربية نحو إسبانيا 4,955 شخصًا، وهو ما يؤشر على تراجع واضح مقارنة بسنوات سابقة. هذا التراجع لا يمكن قراءته فقط من زاوية التشديد الأمني، بل في إطار مقاربة شمولية اعتمدها المغرب، جمعت بين المراقبة الاستباقية، والتعاون الأمني الوثيق مع إسبانيا، وبرامج التنمية بالمناطق الساحلية، وربط ملف الهجرة بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
ويزداد التباين وضوحًا عند الانتقال إلى ملف الترحيل، حيث عجزت إسبانيا خلال 2025 عن إعادة سوى نحو عشرين مهاجرًا جزائريًا، أي أقل من واحد في المائة من الإجمالي، نتيجة تعقيدات سياسية وقضائية وضعف التعاون من الجانب الجزائري. في المقابل، يُعد المغرب الشريك الأكثر تعاونًا في هذا المجال، إذ تم تسجيل حوالي 780 عملية إعادة، أي ما يقارب 28 في المائة من مجموع عمليات الترحيل، وهو ما تعترف به مدريد بشكل صريح.
ولا تمثل إسبانيا، في الغالب، وجهة نهائية للمهاجرين الجزائريين، إذ يسعى كثير منهم إلى عبور جبال البرانس نحو فرنسا، مستفيدين من صعوبة الترحيل وضعف آليات التحقق من الهوية، وهو ما يحوّل إسبانيا إلى دولة عبور تتحمل العبء الأولي دون أن تكون المستفيد النهائي. غير أن هذا الواقع لا يعفي الجزائر من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية، خاصة حين يتعلق الأمر بقُصّر يركبون البحر في ظروف خطيرة، في مفارقة صارخة بين الخطاب السيادي الرسمي ونزيف شبابي مستمر.
تكشف هذه المقارنة أن الهجرة غير النظامية ليست معطى طبيعيًا ولا قدرًا جغرافيًا، بل نتيجة مباشرة لخيارات سياسية واقتصادية. فحين تُدار الدولة بمنطق الاستقرار والتعاون والشراكة، تتراجع الهجرة، وحين يسود الإنكار ويُختزل الفشل في الشعارات، تتحول قوارب الموت إلى لغة سياسية بديلة. وهكذا، لم تعد الأرقام مجرد إحصاءات تقنية، بل شهادة واقعية على مسارين متعاكسين في إدارة المجتمع والدولة على ضفتي المغرب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى