العالم

النظام الجزائري في مأزق دبلوماسي: حين يتحول الارتباك إلى سياسة رسمية


يبدو أن النظام الجزائري يعيش واحدة من أكثر مراحله ارتباكًا وتخبطًا، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل أيضًا في علاقاته الخارجية، وهو ما تجلّى بوضوح في تعاطيه مع التحقيق التلفزيوني الذي بثته قناة فرنسية، وكشف معطيات خطيرة تتعلق بإعطاء تعليمات من أعلى هرم السلطة في الجزائر، ممثلة في عبد المجيد تبون وسعيد شنقريحة، لاختطاف وتعذيب معارضين جزائريين خارج التراب الوطني.
فبدل اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية المعهودة، أو تقديم توضيحات رسمية مدعومة بالحجج القانونية والسياسية، اختارت السلطات الجزائرية مسارًا يعكس حجم الارتباك الذي يطبع مؤسساتها، حيث لم تجد مسؤولًا رفيعًا في السفارة الفرنسية بالجزائر، فلجأت إلى استدعاء موظف مكلف بملفات التأشيرات، للاحتجاج عليه بسبب محتوى تحقيق إعلامي لا علاقة له أصلًا بعمل القنصليات أو الملفات الإدارية.
هذا السلوك غير المسبوق دبلوماسيًا لا يمكن قراءته إلا باعتباره مؤشرًا واضحًا على حالة العجز التي بات يعيشها النظام الجزائري في مواجهة التقارير الدولية المتزايدة التي تسلط الضوء على انتهاكاته لحقوق الإنسان، وتضييقه على المعارضين داخل البلاد وخارجها. فالاحتجاج على صحافي أو تحقيق إعلامي عبر استدعاء موظف إداري، يكشف غياب رؤية سياسية متماسكة، ويؤكد أن منطق رد الفعل الغاضب حل محل الدبلوماسية العقلانية.
الأخطر من ذلك، أن التحقيق لم يأتِ من فراغ، بل يندرج ضمن سلسلة من التقارير والشهادات التي توثق ممارسات النظام الجزائري في ملاحقة المعارضين، حتى بعد لجوئهم إلى دول أخرى، وهو ما يضع الجزائر في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، ويزيد من عزلتها السياسية والإعلامية.
إن هذا التوتر الجديد مع فرنسا، والذي يضاف إلى سجل طويل من الأزمات المفتعلة، يعكس فشل النظام الجزائري في بناء علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل، ويؤكد أن السلطة في الجزائر ما تزال أسيرة عقلية أمنية قديمة، ترى في كل صوت معارض تهديدًا وجوديًا، وفي كل تحقيق صحافي مؤامرة خارجية.
وفي الوقت الذي تواجه فيه الشعوب تحديات التنمية، والعدالة الاجتماعية، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، يصر النظام الجزائري على تصدير أزماته الداخلية إلى الخارج، عبر افتعال معارك دبلوماسية عبثية، لن تزيده إلا عزلة وفقدانًا للمصداقية.
إن استدعاء موظف تأشيرات بدل مسؤول دبلوماسي رفيع، ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو صورة مكثفة لوضع مأزوم، عنوانه الأساسي: سلطة مرتبكة، خطاب عدائي، ودولة تفتقد إلى أدوات التعامل الرصين مع عالم لم يعد يقبل بمنطق القمع والتعتيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى