
في خطوة لافتة أنهت سنوات من الأعراف غير المعلنة، قررت السلطات المحلية بمدينة فاس السماح للمؤسسات السياحية المصنفة، من فنادق ومطاعم، بتقديم المشروبات الكحولية لفائدة الزوار الأجانب خلال شهر رمضان، في قرار يعكس تحوّلًا واضحًا في تدبير العلاقة بين الخصوصية الثقافية ومتطلبات الاقتصاد السياحي.
ويأتي هذا التوجه في إطار مقاربة جديدة تروم الحفاظ على دينامية القطاع السياحي وضمان استمرارية نشاطه طيلة السنة، خاصة في مدينة تُعد من أبرز الوجهات التاريخية والثقافية بالمغرب. فطيلة عقود، درجت غالبية المنشآت السياحية في فاس على تعليق هذه الخدمة خلال الشهر الفضيل، انسجامًا مع الطابع الديني للمدينة واحترامًا للتقاليد الاجتماعية السائدة.
غير أن مهنيي القطاع ظلوا، في أكثر من مناسبة، يشيرون إلى الآثار السلبية لهذا التوقف الموسمي، معتبرين أنه يخلق فجوة بين ما يتوقعه السائح الأجنبي من خدمات فندقية متكاملة، وبين ما يجده على أرض الواقع، خصوصًا عند مقارنة فاس بمدن سياحية أخرى تعتمد نماذج أكثر مرونة في تدبير الموسم الرمضاني.
وتسعى هذه التوجيهات الجديدة إلى إرساء نوع من التوازن الدقيق بين رمزية فاس كعاصمة روحية للمملكة، وبين ضرورات الانفتاح الاقتصادي ومنافسة الوجهات السياحية العالمية. فالسماح بتقديم هذه الخدمات يظل محصورًا في المؤسسات المصنفة وللأجانب فقط، دون المساس بالمجال العام أو بالعادات اليومية لساكنة المدينة.
ويرى متتبعون أن هذا القرار يعكس تحولًا تدريجيًا في الرؤية المحلية لتدبير السياحة، يقوم على التمييز بين الفضاءات والخدمات، واحترام خصوصية الشهر الفضيل، مع الاستجابة في الآن ذاته لمتطلبات سوق سياحية دولية شديدة التنافسية.
وبين من يعتبر الخطوة ضرورة اقتصادية تفرضها ظروف القطاع، ومن يراها اختبارًا دقيقًا لقدرة المدينة على التوفيق بين أصالتها التاريخية وتحديات العصر، تظل فاس أمام مرحلة جديدة تحاول فيها إعادة تقديم نفسها كوجهة ثقافية عالمية، قادرة على استيعاب التنوع دون التفريط في هويتها العميقة.



