المغرب
القول الفصل في زكاة الفطر هل تُجزِئ طعاما أو نقدا مقدَّرا بقيمته

بقلم الفقيه الشيخ المقرئ عبد اللطيف بوعلام الصفريوي.
لقد أجمع الفقهاء على أنَّ زكاة الفطر سُنة واجبة على أعيان المسلمين عَقب أدائهم لفريضة الصيام. والأحاديث في وجوبها كثيرة بلغت من الصحة منتهاها باختلاف بسيط في اللفظ نذكر منها ما ورد عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما وعن أبويهما. حيث قالا:
- فَرَضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ الْحُرِّ، وَالذَّكَرِ والأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أًنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ “. ابن عمر.
فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلَّمَ زَكاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائمِ منَ اللَّغْوِ والرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهيَ زَكاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهيَ صَدَقَةٌ مَنَ الصَّدَقَاتِ “. ابن عباس.
والحكمة منها أنها تطهر الصائم من بعض الشوائب التي قد تعلق بصيامه: من اللغو أي من الكلام الباطِل، والرَّفَثِ وهو القول الفاحِشُ. وتَكونُ “طُعمَةً لِلمَساكينِ”، أي: إطعامًا للفُقراءِ. شريطة تأديتها قبْلَ صلاةِ العيدِ، ومَن أدَّاها” بعد صلاةِ العيدِ، فهي صدَقةٌ مِن الصَّدقاتِ”، وليسَت بزكاةِ فِطْرٍ البَتَّة، وَيُخرِجُها الغَنيُّ والفقيرُ الذي استوفى الفائض في قبضها أي: ما يَفيضُ عن قُوتِ يومِه وليلتِه عن نفْسِه وعمَّن يَعُولُهم. لأنَّ سبَبَها هو الصَّومُ وليستْ كالزَّكاةِ السَّنَويَّةِ المعلومة، فهي حق من حقوقه يتصرف فيها بحسَبِه.
قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ” كُـنّا نُخْرِج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أَقِط، أو صاعا من زبيب” الحديث رواه البخاري.
والنقاش محتدم قديما وحديثا في إخراجها طعاما أو نقدا، فالإخوة المتسننون الوقَّافون عند لفظ النص يقولون بعدم إخراجها مالاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّاها وقيَّدها بالطُّعمة: (طُعمة للصائم) قال الإمام النووي رحمه الله بمعرضها: “ولم يُجِزْ عامة الفقهاء إخراج القيمة).قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: “زكاة الفطر لا تصح من النقود “، وأضاف مبينا بأن الدراهم والدنانير كانت معروفة في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن بإخراج زكاة الفِطر منها، فعُلِم أنه لو كان يجوز لأذِن فيه ولو لواحد من أصحابه رضوان ربي عليهم “.
ووقت إخراجها بحسب أهل الضبط والثبت لها وقتين؛ وقت فضيلة، ووقت جواز، أما وقت الفضيلة فأَنْ تُؤدَّى صباح يوم العيد قبل الصلاة، وأما وقت الجواز فأن تؤدى قبل العيد بيومين.
أما إخراجها بعد الصلاة فإنه محرم ولا يجزئ، ومقدارها صاع، والصاع أربعة أمداد ( حَفْنات).
ووقف أبو بكر الجزائري موقفا معتدلا في كتابه منهاج المسلم الشهير إثر تعرضه للمادة الخامسة في زكاة الفطر حيث قال: ” الواجب أن تُخرج زكاة الفطر من أنواع الطعام، ولا يُعدَل عنه إلى النقود إلا لضرورة. إذ لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج بدلها نقودا، بل لم يُنقَل عنه حتى عن الصحابة إخراجها نقودا “.
ولو عاش الآن هؤلاء العلماء القائلون بالطعام لعملوا بالضرورة الملحة لتغير الحال بدل التقيد بالنص لأن الدواعي تغيرت من ناحية المعيشة. حيث أن الطعام سوف لن يحقق المقصِد الشرعي من قول قول النبي صلى الله عليه وسلم لما رواه ابن عباس عنه: ” أُغْنُوهُمْ عَنِ السٌّؤالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ “، ولاسيما وأن المال هو الكفيل بشراء الأغراض لكي تتحقق له فرحة العيد شريطة إعطائها له وتمكينه منها جمعا للحصيلة الكافية قبل يوم أو يومين، وتجب عليه إخراجها عند استيفاء غرضه كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
وقد حدد المجلس العلمي الأعلى بمملكتنا الرشيدة العامرة قيمتها لهذه السنة: 1446/ 2025 ب:
2,5 إثنين كيلو ونصف من الحبوب أو الدقيق أو ما يعادله من القيمة النقدية 23، ومن زاد فوق ذلك القدر فهو خير له.
وعبد ربه من المناصرين والمدافعين عن إخراجها نقدا لأن أسلوب العيش ونمطه قد تغير، فلم يعد الإطعام يكفي لإدخال السرور على الفقراء لشراء حاجياتهم الضرورية من مواد غدائية ( بعدم نقط الدال. أما إذا نقطته، فهو غذاء للحيوانات يشهد لذلك قوله تعالى على لسان كليمه موسى عليه السلام مخاطبا رفيقه الغلام بسورة الكهف على التمام. قال تعالى: ” فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَد لَقِينَا مِن سَفَرِنا هَذَا نَصَباً ).
بل العديد من المساكين يزهدون في الطعام، وقد تجده مرميا قبالة القمامات والحاويات والطرقات.
وأختم القول بنصيحة جادة للمُزَكِّين ين في تحري اليد التي تستحق هذا النصيب المفروض ( أعني زكاة الفطر) لأن العديد أصبح يحترف مَهْنة التسول التي تدِرّ على أصحابها أموالا طائلة، وبطرق احتيالية هوليودية وأوراق مزورة لا يكاد يصدقها العقل، وتحتاج إلى مقالات مطولة للإحاطة النسبية بِتْقُولِيبْ والتمثيل الاحترافي الذي تمتاز به هذه الطائفة والصنف البشري المنتشر بشكل مرْوِع في جميع الأماكن إلى درجة السب والقذف والضرب مع الممتنعين عن الإتاوة المفروضة: ” أعطينا شي درهم “، وبحيث عندما تمده أو تمدها لها. منهم من بجيبك: درهم الله ينزل عليك الهم “.
ذلك أن الزكاة تنزل في يد الله، فليتَحَرَّ كل واحد تلك الكف الطاهرة المستحِقَّة لأخذها حتى تصرفها في مكانها الطيب الأليق بها.
أما الذين يروجون ذلك الحكم كأنه حديث نبوي بقولهم: “نْوِيهَا لله وعطيها للكافر بالله “، فأين هم من قول رسول الله ﷺ:
( لا تصَاحبْ إلاَّ مؤمنًا ولا يأْكُل طَعامك إِلاَ تَقي )
اللهم إن كنت تروم استمالته للدين، فهذا من أوجب الواجبات، نكتفي بهذا القدر، وأظنني قد جليت المسألة وأفدت ولو أطَلْتُ.. آه.