المغرب

الفحص الطبي تحت الحراسة النظرية: حين تتحول الكرامة الإنسانية إلى التزام إجرائي ملزم

في خطوة تحمل دلالات قانونية وحقوقية عميقة، أطلقت رئاسة النيابة العامة توجيهاً جديداً يعيد رسم معالم التعاطي مع أوضاع الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية، واضعة الفحص الطبي في صلب ضمانات المحاكمة العادلة وحماية السلامة الجسدية، ليس كإجراء ثانوي، بل كآلية جوهرية لا تقبل التجاوز أو التأويل.

هذا التوجيه، الموجه إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، لا يكتفي بإعادة التذكير بالمبادئ الدستورية، بل يؤسس لمرحلة أكثر صرامة في ربط المسؤولية بالمحاسبة، انسجاماً مع روح دستور 2011، ولا سيما الفصل 22 الذي يجرم كل أشكال المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية، ويحظر التعذيب والمعاملات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

وتعكس الدورية توجهاً مؤسساتياً واضحاً يروم الانتقال من منطق التقدير الواسع إلى منطق الإلزام القانوني، حيث أصبح إخضاع الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية لفحص طبي واجباً كلما ظهرت عليه علامات أو آثار تستدعي ذلك، أو متى تقدم المعني بالأمر أو دفاعه بطلب صريح. ولم يعد هذا الإجراء خاضعاً لاجتهادات ظرفية، بل أضحى جزءاً لا يتجزأ من سلامة المسطرة القانونية.

ويبرز المستجد الأهم في ربط احترام هذا الإجراء بجزاءات إجرائية صارمة، إذ اعتبر قانون المسطرة الجنائية، بصيغته المعدلة، كل اعتراف مدون في محاضر الشرطة القضائية باطلاً إذا تم رفض إجراء الفحص الطبي رغم طلبه، أو في حال وجود آثار ظاهرة للعنف لم يتم التحقق منها طبياً. وهو ما يشكل تحولاً نوعياً في حماية قرينة البراءة، ويغلق الباب أمام أي ممارسات قد تمس بحقوق المشتبه فيهم أو بسلامة الاعترافات.

كما أولت الدورية عناية خاصة بفئة الأحداث، مؤكدة على الطابع الإلزامي للفحص الطبي متى اقتضت الحالة ذلك، سواء بطلب من الولي القانوني أو عند وجود مؤشرات تستوجب التدخل، في انسجام تام مع المعايير الوطنية والدولية لحماية الطفولة، وضمان معاملة تراعي هشاشة هذه الفئة وخصوصيتها.

ولم تقف التعليمات عند حدود الإجراء الطبي في حد ذاته، بل وسعت دائرة المسؤولية لتشمل التتبع الفوري والجدي لنتائج الفحوص الطبية، وفتح أبحاث تلقائية كلما استدعى الأمر ذلك، إلى جانب القيام بزيارات منتظمة لأماكن الحرمان من الحرية، للتأكد من شرعية الإيقاف وظروفه واحترام الضمانات القانونية المكفولة.

وفي إطار تعزيز الشفافية وآليات التتبع والتقييم، نصت الدورية على إحداث سجل خاص بالفحوص الطبية، مع إلزامية توجيه إحصائيات شهرية إلى رئاسة النيابة العامة، والإشعار الفوري بالحالات التي تستدعي تدخلاً عاجلاً، بما يرسخ ثقافة المراقبة والمساءلة داخل منظومة العدالة الجنائية.

بهذا التوجيه، تبعث رئاسة النيابة العامة برسالة واضحة مفادها أن حماية الكرامة الإنسانية ليست مجرد خطاب حقوقي، بل التزام قانوني ومؤسساتي صارم، وأن العدالة الحقيقية لا تُقاس فقط بسرعة البت في القضايا، بل بمدى احترام الحقوق وصون الحريات، وتعزيز ثقة المواطن في دولة القانون والمؤسسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى